رحاب إبراهيم

لم يكن أبي يهتم بالشكل إطلاقاً ما دام الشيء يؤدي وظيفته بكفاءة, وأنا لم أنتبه للأمر إلا بعد أن وصلت للمرحلة الثانوية وبدأ الغمز واللمز.

النظارة التي تم لصقها من المنتصف بصمغ أخضر يترك أثره على أنفي أحياناً.. الحذاء الذي تم تغيير نعله بلون مختلف.. وساعة اليد الكبيرة والتي كانت تخص جدتي.. كلها كانت تؤدي وظيفتها بكفاءة لم تشفع لها ولا لي في الإفلات من السخرية.

أنا أيضا كنت أؤدي واجباتي بكل كفاءة ممكنة, وكانت معلماتي يثنين عليّ أحياناً, لكن هذا أيضا لم يشفع لي لأقدم حفلاً أو إذاعة مدرسية يوماً ما.

في الكلية أصابني هوس الأشياء الصغيرة.. كنت أثور على كل ما يقدمه والداي وأصر على انتقاء أشيائي الجديدة بنفسي.. كنت أهتم بأدق التفاصيل.. أدقها على الإطلاق.. حتى الشعرة النافرة تحت الحاجب الأيمن والتي كلما أزلتها تطلع في يومين على الأكثر.. ظننت في البداية أنني تخلصت أخيراً من الغمز واللمز، لكنني انتبهت بعد فترة قصيرة إلى لقبي الذي بدأ ينتشر في الدفعة... «أبله نظيفة».. تلك التي لا تعير أحداً كشكولَ محاضراتها.. ولا تشرب ولا تأكل مع أحد.

عموماً، مكّنني حبي للتفاصيل من الالتحاق بوظيفة لم يحلم بها أحد من خريجي دفعتي، حتى الأوائل منهم..

أنا الآن مديرة مركز تجميل.. هم يطلقون عليه «كوافير».. «مزيّن».. ويتغامزون أيضاً.. ولكن هذا لم يعد يشغلني كثيراً.. فانا أكسب في يومين أضعاف ما قد يكسبه أحدهم في شهر.

ما زلت أحب الدقة والجمال, فلا أدع عروساً تخرج من عندي إلا وهي كاملة الحسن..

وبنات الدفعة يأتين عندي في السر.. دون أن تخبر إحداهن الأخرى حتى لا يفقدن متعة الغمز واللمز.. يأتين ليسألن كيف يتخلصن من زيادة الوزن وكيف يطول الشعر ويصبح كأمواج الحرير.. وأنا أسدي لهن النصائح بإخلاص... إخلاص يدفعني لأن أحكي لكل واحدة منهن عن الأخرى.. عن شعرها الذي يشبه «الليفة السلك» والذي لم تنفع معه الحيل أبداً ليبدو أقل خشونة.. وعن بطنها المليء بالثنيات وأردافها التي تلمها بـ"الكورسيه» المشدود والذي يقلّ مقاسه عن مقاسها بثلاث «نُمَر» فتضطر لأن تسير كما لو كانت مضروبة على قفاها.

أنا أحبهن جميعا في الحقيقة/ ولكني أحب مهنتي أكثر.. أحب أن يبدو كل شيء صحيحا ومتقناً وبلا شوائب..

الخبير الفرنسي الذي زار المركز في الشهر الماضي بدا لي عبيطاً..

بعد أن شرح استخدام أجهزة التنحيف الحديثة والتي استوردتها صاحبة المركز مؤخراً بدأ يوجه الأسئلة لي وللبنات..

أخرج من محفظته رسماً لفنان فرنسي شهير يصور سيدة بدينة، مفرطة في البدانة، ممددة تحت شجرة، مغمضة عينيها نصف إغماضة وتبتسم ابتسامة خفيفة وبجوارها طبق من الفاكهة. سألَنا بالعربية المكسرة: وهذه أي جهاز تحتاج؟

كانت الأجهزة عديدة.. منها ما هو لشد البطن ومنها ما هو لتنحيف الساقين والذراعين، ولكن السيدة كانت تبدو بحاجة لكل الأجهزة مرة واحدة.. كان جسدها مليئاً بالثنيات وقطرات العرَق تبدو بوضوح على عنقها.. بدأت البنات يخمّنّ الإجابة وهو ينفي أن تكون أيٌّ منها صحيحة, وبدأن ينظرن لي في انتظار رأيي كمديرة يجب أن «أجيب الديب من ديله».. قلت بثقة إن السيدة تحتاج لكل أنواع الأجهزة وإنها لا بد أن يتم حبسها شهر بلا طعام كي تستحق لقب «سيدة» أصلاً.

ابتسم الخبير باستخفاف قائلاً: «هذه السيدة لا تحتاج لأي شيء على الإطلاق.. هي تبتسم وتبدو راضية.. هي متصالحة مع شكلها، لذا لا تتدخلن وتفسدن الأمر».

ضحكت البنات بينما اندفعتُ أنا في الصراخ واتهامه بأنه لا يفهم شيئاً عن الجمال وأن كونه فرنسياً لا يعطيه الحق في الاستهانة بعقولنا إلى هذا الحد.

جاءت صاحبة المركز على الصوت، ولم تستغرق وقتاً طويلاً لفهم ما حدث.. حاولت أن أخبرها بالتفاصيل لكن دون جدوى.. هذه السيدة المجنونة المولعة بسماع كل ما يدور من كلام وأحداث داخل المركز والتي كنت أنقلها لها بكل دقة.. هذه المجنونة لم تسمع مني شيء ولم تشرح لي شيئاً أيضاً.. فقط طلبت مني باختصار أن أذهب للمحاسب لتسوية مستحقاتي.