علي السباعي

خوف

شــابةٌ حلوةٌ خرساء، تقدَّم لخطبتِها شــابٌ اخرسَ، رفضـت الاقترانَ به، مخافة أن يبكي طفلهُما وهما نائمـان.

سؤال

جلس بقربي «عربنجي»، صاحب فرس كميت جميل، رشيق جــداً، سألتهُ ونحــنُ نحتسي الشايَ فــي المقهى: «كيف تقضي يومَك؟»، أجاب: «أستيقظُ فجراً، أطعِمُ فرسي، أسقيها الماء، أضع عليها (جلالها)، أربطها إلى العربة وأذهب بها إلى العمل. ظهراً آخذها إلى نهرِ الفراتِ، أفتحُ عنها العربةَ وأبدأُ بغسلها، أقودها إلى المنزل لأعلفها، أتركها تستريح. عصراً، أربط عليها العربة وأذهب للعمل. مساءً، أؤوب معها إلى المنزل، أفتحُ عنها العربة، أدلكها، أعلفها، أسقيها الماء، أنتظرها حتى تنام، ساعتها أذهبُ إلى أهلي».

قلت له: «هذه حياة الفرس! أين هي حياتك؟».

عراقية

سمراءٌ مُتّشحةٌ بالســـواد... تجلسُ أمــام إحــدى بواباتِ القصــرِ الجمهــوري... تضعُ دميةً بلاستيكيةً في حضنِها... تُناغيـها... تُناغيهــا بلا مَلــلٍ... سألــتُ عنهــا... قالـــوا: «إن القـوات الأميركيــة قَتَلــتْ طفلتَها وزَوجها بالخطأ».

زواج

أعمــلُ نجاراً أمامَ إعداديةٍ للبنــاتِ، انتمي لأسرةٍ فقيرةٍ، أمـي مُطَلّقَةٌ، أبي متزوجٌ من أخرى، أعيشُ في كَنفِ جدي لأمي. أحببتُ طالبةً جميلةً جداً، اتفقنا أنا وحبيبتي على الزواجِ، رفضَ أهلُها طلبي، طلبتْ مني أن أستعينَ بِمُدرِّسة قريبةَ جداً منها، حَـدّثْتُها لمساعدتِنا وإقناعِ أهلِ الفتاة بالزواجِ، قالــت لي دون مقدمـات: «أنا جاهــزةٌ، عندي بيتٌ باسمـي، وذهب، لـِمَ لا تتقدم لِخطْبَتي؟». وافقت فورا وتزوجتُ المُدَرّسة.

عازفٌ نسي عوده

كان معي جنديّ إبان حـرب ثماني السنــوات فـي جبـــهةِ القتـــالِ، لم يكن مقاتلاً شرسـاً، كــان عازفَ عودٍ موهـــوباً، مُبدعـــاً، لا يجيدُ القتالَ... أثناءَ المعــاركِ الطاحنـــةِ وما أكثرَها وأثناءَ اشتدادِ القصفِ كان يعزفُ لنا نحنُ إخوانَه المقاتليـن أجملَ الألحان، يضربُ علــى عودهِ بلا تعــــبٍ، بمتعةٍ وإبداعٍ أبداً لا يكررُ نفسَه. أُعلــــنَ وقـــفُ إطــــلاقِ النارِ في 8/8/1988 راحَ يدندن فرحاً بانتهائِها، وإذا بقذيفـــةٍ إيرانيةٍ تسقطُ على موضِعـــه وهو يعزُف... تقتلُه.

استجداء

أتسكعُ تسكعـــاً معرفياً... فـــي أحــدِ شوارعِ النــاصرية...

الناصريـــة التـــي هـــي أشد خراباً مـــن واســط القديمة...

واجهتني شابةٌ متعبةٌ... تستجدي المــــارة بكفَّين مقطوعتين.

صبيّ أسمر وحمائم بيض

شــابٌ رافدينيٌ يافــعٌ حالـــمٌ طَموحٌ.. جلَب أَول أيـــام التحــرير خمسمئــــة حمامـــةٍ إلـى ساحـــة الفـــردوس، ليحـــاكي ساحــةَ النصرِ فــــي باريـــس بطيورِهـــا التـي تملأُهــا حيــــــاةً وهديـــلاً، مــلأ الفردوسَ بيماماتِه البيض التي تحلـّــق سعيدةً مطرزةً سمـاء بغداد بالحــرية، جــاء ثانـــي أيــام الاحتــــلال ليجـــــــد ثلاثمـــئة وخمســـين حمامـــةً قـــد اختفت... ســأل ودمــوُعه مِلء مآقيه:

- من سرقَ طيورَ السلام؟

أجابـــَه صبــيٌ أسمــــرُ يلهــــو فـــي الفـــردوس: رجالُ الشرطة.