كانت جامعة بغداد تصنف من أفضل الجامعات العربية، وبالاضافة إلى الطلبة العرب، كان يدرس فيها أيضاً اساتذة من جنسيات عربية، درسني منهم العديد، نحن الآن في عام ١٩٨٦، وقد طوينا السنوات السابقة والتي شهدت سقوط طائرة الرئيس العراقي عبد السلام عارف، ومجيء أخيه عبد الرحمن عارف، وقد استلموا الحكم اثر ثورتهم على عبد الكريم قاسم، كانت فترة لا حزبية من حيث الحكم، وكان عبد السلام وعبد الرحمن أقرب إلى التوجهات الإسلامية، بدأت أفراد من القوات العراقية المجيء إلى الأردن اثر حرب عام ١٩٦٧، وبالتالي كان سفرنا براً مع الجنود العراقيين، من أمام المدرج الروماني، قلنا أن أهلنا اضطروا إلى الرحيل من منطقة جسر الملك حسين إلى يرقا، بسبب ظروف الحرب، ولم يعد مصدر الرزق من الزراعة ممكناً بسبب الظروف السابقة فكان التركيز على تربية المواشي وما تتطلب من معاناة، لنقول للجيل الجديد أننا جيل معاناة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولكن هذه المعاناة لم تمنعنا من مواصلة الدراسة والنحت في الصخر، ولعل عدم وجود حاضنة لكثير من ابناء الأردن من بيوتات في عمان، أو من حاضنة اقتصادية، جعلت الوصول ضرباً من المستحيل، ولكنه حصل جزئياً.

انخرطنا في العمل الحزبي في بغداد، وكان الطلبة الأردنيون موزعين بين التيارات السياسية الإسلامية والقومية والاشتراكية، اثبت الطلبة الأردنيون في معظم التخصصات انهم من الأوائل وكنت من بينهم في الكلية. كان المستوى الثقافي لا يقل بروزاً عن المستوى الدراسي.

كان القسم الداخلي الخامس، وهو مكان السكن، غالبيته من الطلبة الأردنيين، اذكر ان يوم الخميس كان يخرج معظم الطلبة خارج القسم ويبقى القليل، كنا أحياناً نقفل باب القسم الداخلي على الخارجين عندما يعودون ليلاً، نكاية بهم.

لم نكن نعلم ان هناك تحضيرات لتغيير شكل النظام في العراق، كان البعثيون موجودين كتنظيم في الكلية التي كنا ندرس فيها. لا اكتم اننا كنا مرتاحين اثناء فترة حكم عبد السلام وعبد الرحمن، كان رخاءً اقتصادياً ولو نسبياً، وكانت حرية نسبية لكل التيارات السياسية، كنت ارغب في متابعة دراستي العليا، وتقدمت لبرنامج الماجستير وقبلت، ولكن وزارة التربية والتعليم رفضت بحجة أني مبعوث ولا بد من قطع الدراسة والعودة، كان المشرفون على برنامج الماجستير من الأساتذة الذين درسوني، وكانوا يرغبون ان أكون واحدا من الطلبة للدراسات العليا، كنا نحضر مناقشات رسائل الماجستير في تخصصاتنا وغيرها، كنت نائماً عند صديق لي يسكن بجوار القسم الداخلي، فايقظني صباحاً لا زلت أذكر كلماته (فايز دي قوم عيني النظام تغير) وإذا بصوت من المسجد المجاور يقرأ سورة الدخان. لم أعلم ما هو شكل النظام الجديد، وإذا بها ثورة البكر، وتسلم البعثيون لتبدأ مرحلة جديدة وللحديث بقية.