بدون مقدمات، ودخولاً في القضية مباشرة، هناك إحساس عام بغياب القدوة في حياتنا، وممارساتنا بشكل عام، وفي كافة المجالات. وأن تلك الحالة انعكست سلباً على مختلف جوانب الحياة من سياسية واقتصادية واجتماعية.

ففي مراحل سابقة، كانت الدولة تمثل القدوة في الكثير من المجالات. وكان القطاع الخاص منضبطاً بحكم أسس وقواعد» القدوة» التي أرستها الدولة، وطبقتها الحكومات المتعاقبة. وفي مسار آخر ما ورثناه، وما اكتسبناه.

على سبيل المثال، كانت رواتب العاملين في الدولة تخضع لأسس وضوابط تمتد في كثير من الأحيان الى القطاع الخاص الذي لا يجرؤ على مخالفتها. وكانت هناك حقوق ومكتسبات راسخة لكل العاملين. تذكرت هذا المثال وأنا أتابع برنامج حواري متلفز، عندما اتهم نقيب أصحاب المدارس الخاصة وزارة التربية بأنها تتجرأ على المعلمين بأكثر من جرأة أصحاب المدارس الخاصة عليهم.

الحقيقة المرة، تمثلت بأن وزارة التربية والتعليم تمنح المعلم على حساب التعليم الإضافي راتباً لا يتخطى مبلغ 140 ديناراً، وتطالب في الوقت نفسه بأن ينصف القطاع الخاص مدرسيه.

وفي مثال آخر مشابه، هناك شركات قطاع عام مملوكة بالكامل للحكومة، تدفع لموظفيها رواتب لا تتخطى حاجز الحد الأدنى للأجور. بينما هيئات ومؤسسات حكومية تخضع لأنظمة خاصة تدفع آلاف الدنانير لمن هم في آخر السلم الوظيفي لديها.

مرارة تلك الحقيقة فتحت الذاكرة على مجالات عديدة يتم خلالها انتهاك خصوصية ومكانة «القدوة» في حياتنا، حيث أصبح الخروج عن النظام العام أمراً عادياً. والجرأة على حقوق الآخرين «شطارة».

فقد تعاملنا مع» القدوة» بما يتجاوز الاحترام الشخصي إلى احترام الوطن والنظام العام، والابتعاد عن المخالفة في كل مناحي الحياة.

كانت الحكومات قدوة، والاب قدوة، والمعلم قدوة، والمختار قدوة، والرجل الكبير في السن قدوة، وشيخ العشيرة قدوة.

وكان المعلم مصلحاً اجتماعياً، لا يقتصر دوره على ما يحدث داخل الغرفة الصفية. وكان للشارع حرمته، وللمارة احترامهم، وللمرافق العام قدسيتها، ولحقوق وممتلكات الاخرين حرمتها، وكانت هناك مواثيق غير مكتوبة تضمن السلام العام حتى بين الشخص ونفسه. اما الان، فقد تغير كل شيء.. حيث تم ضرب كل مواصفات القدوة، فانشغل الأب في كيفية تدبير أمور اسرته ومتطلباتها، والمعلم في كيفية تسيير شؤون بيته، وتعويض ما تآكل من دخله، وما تغير في مكانته. أما شيخ العشيرة، فقد كانت غالبية الأردنيين ينتظمون تحت مظلة أربعين شيخاً، لهم مكانتهم واحترامهم بين عشائرهم وسكان مدنهم وقراهم ومخيماتهم ولهم كلمتهم المسموعة.

الآن، ارتفع العدد الى أكثر من أربعة آلاف. حصلوا على ألقاب» شيخ أو وجيه»، رغم غياب كامل لمواصفات القيادة لديهم.

كل ذلك يطرح سؤالاً: هل غياب القدوة.. تراجع عفوي أم مشروع سياسي؟.. ولمصلحة من؟

Ahmad.h.alhusban@gmail.com