لا شك أن مثل هذا العنوان يثير اشمئزار المواطن، اذ ما إن تسمع شخصاُ عُيّن مستشاراً، حتى تدخل في حديث يطول ولا يقصر، كما أنه واقع وظيفي عام، وليس في رئاسة الوزراء، فحسب.

وما من مستشار عُيّن لرئيس حكومة او لوزير وحتى لأي مسؤول، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المتلقي كلمة «تنفيعة»، وهي حقيقة لا يمكن دحضها أو تبريرها إلا في حدود ضيقة، والسبب ان «المستشار لا يُستشار» وهذا ما نسمعه من مستشارين أمضوا سنوات، وآخرهم من زميل التقينا معاً قبل يومين في بيت عزاء. نعم، الدولة بقطاعيها الرسمي والخاص تفيض بالمستشارين، مع أن كثيراً من الوزارات والمؤسسات ليست بحاجة لمستشار واحد، فكيف إذا ما كانوا بالعشرات؟! قبل سنوات، ذهبت إلى رئاسة الوزراء لتهنئة صديق عُيّن مستشاراً فيها، وكانت زيارتي متأخرة بعد أشهر، وما ان وجدته منزوياً في مكتب متواضع، كنت «قرأت الكتاب من عنوانه» الا انني صارحته بما يجول في خاطري: لقد وصلتك بعد جهد جهيد من الأسئلة والمشي بين المكاتب، اذ ظننت ان مكتبك يلاصق مكتب «دولته»، ضحك، وأقسم بالله، أنه لم يرالرئيس منذ تعيينه ولم يُستشر بموضوع، وأراد ان يضيّفني، فشكرته، وقلت في نفسي «خليها بتبنها».

دارت الأيام، واذ بوزير شباب يستمزجني بأن اكون مستشاراً له، فاعتذرت بشدة، وقلت انني سأخدم الوزارة متطوعاً ودون كتاب، ورغم محاولاته بالتهديد الرسمي وبالعلاقة الشخصية التي تربطنا، الا ان محاولاته لم تنجح، فأصدر كتاب تعيين، دون راتب، ومع ذلك لم استلم الكتاب.

المحاولة تكررت مع ثلاثة وزراء آخرين، وانتهت عند الاعتذار وتقديم الخدمة التطوعية، وعلى اعتبار اننا نكثر من مقولة«الانتماء للوطن».

ما دفعني للخوض في هذه الوظيفة او«التنفيعة» ولأبرّىء ذمتي في ما اكتبه عن «المستشار»، ان هنالك مستشارين مظلومين في رواتبهم، حيث يقدّمون جهداً ووقتاً وعملاً حقيقياً وكذلك في «المشورة» ولكنهم يتقاضون 200–300 دينار، في حين أن آخرين لا يُستشارون، ولا يحضرون إلى الوزارات والمؤسسات والدوائر التي جاءوا إليها، ورواتبهم أضعاف أضعاف، ما يتقاضاه اقرانهم!، أليس في هذا هدر للمال العام، وفساد في العمل الوظيفي؟!.

مطلوب من الحكومة أن توعز للجهات الرقابية بحصر عدد المستشارين والرواتب التي يتقاضونها، ودوافع الاستعانة بهم، كما هو مطلوب من هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ان تتبيّن من هذه الأمور، بحيث يحصل كل مستشار على حقه أو الاستغناء عن خدماته.

نقول هذا، والحكومة تتحدث عن خفض النفقات، وتعمل على ترشيق جهازها بإحالة الموظفين الى التقاعد، مع ان المستشارين «أكثر من الهّم على القلب». ختاماً، لا أدري من هو أول من همس بإذن مسؤول ينصحه بأن يكون له مستشار، وأول من فاز بهذا «الشرف الرفيع»؟!