.. في طفولتنا, كان لدينا أقلام حبر صينية, نعبأها من المحبرة.. وكانت غالية وعزيزة, ونستعملها فقط في كتابة رسائل الغرام.. وامتحان اللغة العربية, كنا نطلق عليها لقب (الريشة)..

ولأن الحبر الصيني لا يمحى, حين تكتب رسائل الغرام, كان علي أن أكون حذرا ولا أنزل عن السطر أو أكتب الهمزة على نبرة, أو أرتكب خطأ في الياء.. لكن كان هنالك شيء لابد أن يحدث مهما حاولت اتقان الرسالة وهو: (الطرطشة).. لابد من بعض النقاط أن تنسكب هنا وهناك..

و(الطرطشة) كما هو معروف, مجرد نقاط من الحبر تمردت على الرسالة, وحين تكون كثيرة.. أكتب ملاحظة إلى ليلي في نهاية الرسالة مفادها: أن (الطرطشة) ليست حبرا وإنما هي دمعي الذي سكبته على الورق ولشدة الظلمة في روحي–نتيجة غياب شمسك- صارت سوداء..

هل كنت أكذب؟ في الحب لا ولكن في الحبر كذبت.. وربما كذبت كثيرا.

سألتني صبية, في مقابلة مع إذاعة أمس, سؤالا غريبا وهو: بعد هذا العمر أين تجد نفسك.. فأجبتها: مجرد (طرطشة) على رسالة غرام أرسلها حبيب للعشيقة.. وكذب فيها قال إنه الدمع.

في العالم العربي, يعيش الإنسان على الحلم, ويصحو.. بعد رحيل العمر ورحيل الحلم, على حقيقة تؤكد أننا مجرد (طرطشة حبر)..

Abdelhadi18@yahoo.com