أبواب - تالا أيوب

يسعى آباء وأمهات إلى أكساب أبنائهم ذكورا وإناثا مهارات وقيما عديدة من خلال تكليفهم ببعض المهام داخل المنزل وخارجه،في سبيل صقل شخصياتهم، بينما يعارض آخرون تكليف الأبناء بأية مهام باعتبار أنهم سيواجهون مشاق الحياة مستقبلا ولا داعي لانتزاعهم من مرحلة الطفولة والشباب.

ترى ربة منزل سائدة عفيف -وهي أم لأربع بنات- لـ«أبواب-$»أن:« مساعدة أفراد الأسرة لبعضهم في الأعمال المنزلية المختلفة ضرورية، ولكن ضمن حدود بأن لا تصل المساعدة الى حد الإرهاق، بالإضافة الى أن المهام المطلوبة يجب أن تناسب أعمارهم، فهي تعلمهم تحمل المسؤولية، وتولّد لديهم روح التعاون».

وتتابع: «انني أكلف ابنتي ذات ثلاثة أعوام بترتيب الدمى بعد الانتهاء من اللعب، أما ابنتي ذات الأعوام السبعة فأكلفها بترتيب وتنظيف سفرة الطعام وكراسيها قبل وبعد الانتهاء من تناول الطعام، بينما الكبرى ذات التسعة أعوام فإنني أكلفها بنفض الغبار وترتيب وتنظيف قطع الأثاث». وتطلب المعلمة في مدرسة خاصة سوسن حدادين من ابنيها مساعدتها في المنزل؛ لأنها ترى أنه من الضروري انتماؤهما الى بيتهما، والشعور بالمسؤولية اتجاه المكان الذي يعيشان فيه، اذ أنها لا ترتب غرفتيهما و ملابسهما و ألعابهما فهي جميعها من مسؤوليتهما ولا علاقة لها بها.

وفي المقابل تقول أم دانا حمدان -وهي أم لأربع بنات-: «انا لا أوكل أية مهمة منزلية الى بناتي؛ لأني وزوجي مقتنعان بضرورة تدليلهن وتوفير حياة كريمة لهن، وبعدما يتزوجن سيتحملن مسؤولية ترتيب وتنظيف منازلهن وسيتعودن على ذلك».

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة: «إن في طليعة الأهداف التربوية الأسرية هو إكساب الأبناء خبرات ومهارات حياتية منذ طفولتهم تستمر وتقوى مع سنوات حياتهم، ولذلك فإن الأسرة الواعية لا تفوّت فرصة في سبيل تدريب الأبناء على ممارسة أي عمل، ومواجهة أي موقف، والقيام بأي تصرف تجاه متطلبات الحياة اليومية فتبادر الأم إلى حثّ بناتها إلى الاقتداء بها، أو القيام بعمل ما بدلا منها من باب اكتساب الخبرة، ومواجهة المواقف».

ولا يقتصر توكيل المهام على الأم فقط وإنما يتعدى الى الأب أيضا، وعن ذلك يقول غرايبة: «يستدعي الأب أبناءه إلى «دكانه» أو شركته أو مصنعه أو مزرعته لكي يساعدوه ويقلدوه ويحاولوا بالتدريج أن يعملوا بالنيابة عنه، ليس من أجل راحته هو، وإنما كي يكون بمقدورهم القيام بأعماله بوجوده، وغيابه، وتكون الأم سعيدة عادة اذا لمست استيعاب ابنتها السريع لخبراتها ومهاراتها اللازمة داخل البيت وخارجه، ومن ثم في حياتها الزوجية المستقبلية، كما أن الأب يشعر بالارتياح والاطمئنان اذا ما وجد ابنه قد نجح في تسيير أمور مصلحته عند غيابه الطارىء القصير أو بسبب سفره أو مرضه وسارت الأمور وضبطت العمليات المهنية على أفضل وجه بإشراف ابنه وحرصه». ويرى غرايبة أن البيت ومكان العمل ينبغي أن يستثمرهما الآباء والأمهات لتدريب أبنائهم وبناتهم وإعدادهم للعمل المنتج والمسؤولية المستقلة والإبداع الذاتي والتفكير الايجابي.

تقول الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي فداء أبو الخير: «من الضروري توزيع المهام، والمسؤوليات على الأبناء، وتحمل المسؤولية، والمشاركة في اتخاذ القرارات منذ الطفولة، لكن تعتمد المهمة على عمر وقدرات الطفل اذ اننا نعرف أن هناك فروقات فردية بين الأبناء، وبالتالي من الممكن أن تكون المسؤوليات في البداية بسيطة، ومحدودة بالوقت والنوعية تلائم عمر كل واحد منهم».

وتلفت الى أنه من الخطأ أن نترك الأبناء على راحتهم، وأن لا نسمح لهم بالمشاركة؛ لأن ذلك يؤدي الى ضعف في حسّ تحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات أو المشاركة الاجتماعية، ويمكن أن يؤدي الى تعزيز الأنانية، وعدم تعزيز بعض المهارات عند الشخص. وتشير أبو الخير الى أنه عندما نحملهم المسؤولية بهذا الشكل من الممكن أن ندرّب عضلاتهم وتفكيرهم، وصلابتهم النفسية على تحمّل مسؤولية ما.

وترى المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطاب: «موضوع تحميل الأبناء مسؤوليات منزلية مهم ومفيد؛ لأنه يعودهم على النظام ويعلمهم أهمية المسؤولية والمبادرة والترتيب والتنظيم في حياتهم ».

وتتابع: «كما تعد الأعمال المنزلية من المهارات التي يجب تعليمها للأبناء منذ الصغر؛ لأنهم سوف يحتاجونها في الكبر، وهذا نلمسه عند الفتيات بعد الزواج فنجدها تتصل بوالدتها بشكل دائم، ومستمر في كل عمل منزلي تقوم به وكذلك الأمر في تربية الأطفال والاعتناء بهم».

وتضيف: «ومن الدروس المهمة التي نستقيها من المهارات المنزلية تشبيه عملية ترتيب الملابس في الخزانة بترتيب المعلومات في الذاكرة، وتخزينها فعندما تكون الملابس مرتبة تسهل عملية العثور عليها وارتدائها، وكذلك الأمر في الذاكرة عندما تكون المعلومات منظمة ومرتبة يسهل استدعاؤها عند الحاجة، وهذا ينعكس على عملية التذكر في الاختبارات وبالتالي يرتفع مستوى التحصيل الدراسي».

وتشير الى أنه قد يكون للأمر بعد آخر مهم فتحمل المسؤولية منذ الصغر تنعكس اثاره على شخصية الأبناء في الكبر فنراهم يكتسبون هذه القيم التي تنغرس في شخصياتهم وعاداتهم وتغدو جزءا مهما من حياتهم الاجتماعية.

وتشير حطاب الى أن عملية المشاركة في الأعمال المنزلية تعمّق الصلات بين الأبناء والآباء من ناحية، وبين الأبناء من ناحية أخرى؛ لأن المشاركة من القيم الإنسانية المهمة التي يجب زرعها في نفوس الأبناء، والتي تبعدهم عن الأنانية، والانغلاق على الذات، بل وتساهم في بناء الصداقات والعلاقات الإيجابية مع الآخرين.

وتشدّد حطاب على أن المهارات الحياتية موضوع مهم، ويجب الانتباه له، وتعليمه للأبناء داخل المنزل، وكذلك في المدرسة لنلمس آثاره على المجتمع، لذلك فإن مبحث التربية المهنية من المباحث المهمة التي يجب تفعيل عملية تعلمها بشكل عملي لا نظري داخل المدارس؛ لربط المعلومات العلمية بالحياة والاستفادة منها في التطبيقات الحياتية لاحقا فيكون للتعلم معنى.

وتخلص حطاب الى: «إن موضوع توكيل الأبناء بالمسؤوليات المنزلية موضوع مهم له بعدان أحدهما قيمي، والآخر مهاري، ولا يعد من باب الترف أو المزاجية بالرغم من انتشار وسائل المساعدة التكنولوجية في حياتنا اليومية، كالأجهزة الكهربائية، أو حتى البشرية كالخادمات وحراس العمارات وغيرهم».