ملك يوسف التل

لم يفقد الباشا عبد السلام المجالي تفاؤله رغم كل ما رآه وعايشه. وهذه نعمة ليس مثلها بالنسبة لرجل دولة ولد عام 1926 وما يزال محجّة في الرأي والنصيحة لمن يقلقهم اهتزاز الأرض واتساع دوائر التوجس والقلق.

أساس التفاؤل عند د. المجالي إيمانه بأن قوة الأردن هي في الشرعية والموارد البشرية، مضافاً لها الطب والعلاج، كون هذه الخلطة هي الصناعة الأساسية للدولة، حتى في زمن كالذي نعيشه فيه ضعف شرعية القطاع العام.

في السجل الشخصي للدكتور عبد السلام المجالي قائمة طويلة من السبوقات التي سجّل فيها أنه أول من فعل كذا وأول من تولى كذا وأول من حقق وانجز هذا الأمر أو ذاك.

يُحصّن أبوسامر أنه عاش والتزم وما يزال يتذكر، بيت الشَعَر الذي نشأ فيه، وطقوس وتقاليد وضوابط المضارب والخيام. فقد أرست في وجدانه حس الانضباط ومسؤوليته، ومنحته المرونة وسعة الأفق التي جعلته الآن يؤمن بالتعددية السياسية والحزبية واللامركزية. كان يوصف بأنه من الحرس القديم، أو القديم جداً، لكنه كرجل دولة من طينة فريدة، يستطيع أن يواكب وأن يستشرف ويستبق.

فهو صاحب مشروع المؤسسة العلاجية التي أفشلها ضعف الرؤية السياسية لدى بعض قطاعات بيروقراطية الدولة، مضافاً لها تدخل المصالح الشخصية.

وهو الذي أدار مفاوضات اتفاقية وادي عربة التي أفشلت مخططات الدولة البديلة والتي تشكّل الآن واحدة من الضوابط على شطط «صفقة القرن».

سبق للباشا أن كتب سيرة حياته «من بيت الشَعَر الى سدّة الحكم»، واليوم يضيف إليها هنا ما يستحق مما هو بعيدٌ عن السياسة.

خضت المجال السياسي بأصعب وأدق مراحله ابتداء من المفاوضات مع إسرائيل وما تخلل ذلك من أوضاع اقتصادية صعبة ثم الانتخابات وجلسة الثقة واللامركزية والمناكفات من هنا وهناك.. كيف تحملت كل ذلك وبماذا تصف شعورك ضمن هذه الأجواء؟

لأنني متفائل جدا.. من هذا المنطلق استطعت أن أستوعب كل ما حولي ومَن حولي، هذا إضافة إلى أنني صبور جدا لكن إذا فاض الأمر عن اللازم بعد تحمل طويل لا شك أنني «أنفجر» مرة واحدة وللحظات فقط ثم ينتهي الأمر. كان الملك الحسين يقول لي: «أريد أن أعرف من أين لك هذا النفس الطويل وهذا الصبر»؟ هي ميزات ساعدتني على السير دون تعثر أو اشكال.

هل كنتم تتخيلون يوماً أن الفساد لدينا بهذا الحجم الذي تكشفت بعض مظاهره مؤخراً؟

الفساد موجود منذ نشأة الإنسانية، لكن أحياناً يكبر وأحياناً يصغر، عندنا أصبح ظاهرة وهي موجودة بالتأكيد، وهذا أمر في غاية الأسف والسوء، لكننا لا نختلف عن غيرنا من الأمم، وان كنا نجد انفسنا مقارنة بالدول العربية أقل فسادا، وحسب الترتيب العالمي لا نقارن أبدا إلا أنه لا بد من خطوات جدية في محاربة هذه الآفة وبذل جهود مضاعفة لمكافحته.

أنتم أصحاب نظرية أو مقولة «ثقافة العيب» ولكم فيها تاريخ من التوجيه والتوعية، أين انتهينا بثقافة العيب ومعدل البطالة عندنا لا يسرّ أحداً؟

لا أستطيع القول بأنه ليس لدينا بطالة، هي موجودة وفي تزايد طالما أن أبوابنا مشرعة حتى أصبح لدينا مليون عامل وافد يعملون في الأردن، فهذا غير منطقي، يوجد أمر خاطئ. كما وأنه ما يزال بعض شبابنا -وان خفت الأمور عن سنوات سابقة -من يفضل الجلوس في البيت على أن يعمل في وظيفة يعتبرها ليست من مستواه.

الموضوع برمته ليس قلة فرص عمل لدينا، بل قلة ثقافة للأغلبية، لا يريد أن يعمل إلا موظف حكومة ويحصل على راتب حتى لو أقل من القطاع الخاص. لكن أريد تفسيرا.. أريد من يفسر لي بأن مليون شخص غير أردني لديهم فرص عمل في الأردن ونحن لدينا حوالي 300 ألف أردني لا يستطيعون إيجاد عمل؟! كيف ذلك! .

أعطيتم لجمعية الشؤون الدولية، وتحديداً في الفترة الأخيرة، دوراً غير مسبوق في الإضاءة على الراهن والمستقبل الوطني:

تأسست جمعية الشؤون الدولية عام 1978. .. البداية كانت متواضعة وكبرت تدريجيا حتى أصبح عدد أعضائها 120 شخصا من رؤساء وزارات ووزراء سابقين وقادة جيش ومثقفين وأصحاب فكر وخبرة ومن مختلف التخصصات في الوطن، ومفتوحة للشباب، وان كان يغلب عليها رجال الدولة والأكاديميون، وليس هناك شروط تمنع من العضوية على أن يكون الشخص على جانب من الثقافة بمستوى جيد.

عضويتها مفتوحة، وتمويلها من اشتراكات الأعضاء، السنوية، ولدينا متبرعون وهم كثر فمثلاً مبنى الجمعية الجديد تبرع من الملك عبد الله الثاني، والأرض خصصت للجمعية، ولدينا تبرعات من القطاع الخاص ومن بعض دول الخليج، وينضم للجميعة كل من يقيم على الأرض الأردنية، أغلب السفراء هم شبه أعضاء فيها، ولا يوجد ما يمنع أن يكون أي عربي في مجال اختصاصه أو من هو مهتم بهذا الأمر.

أقول أن جمعية الشؤون الدولية من مؤسسات المجتمع المحلي التي تقوم بدور إيجابي. الجميع من أعضائها ملتزمون ومتفقون لا خلاف بينهم، جميعهم أولوياتهم مصلحة الوطن، وليس خدمة الذات، لا يسعون خلف منصب ولا مال ولا جاه وصلوا إلى قمة الوظائف التي شغلوها في الدولة، لذلك ليس فيها شخصنة أو حب الظهور أو الاستعلاء.

نستقطب ضيوفاً من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، من أوروبا وأميركا يتحدثون في مواضيع شتى، ونسمع منهم.

أعضاء الجمعية يقدمون أفكارهم وأفكار من يأتي محاضراً، يبحثون في كل جديد وذي قيمة هدفنا كما قلت مصلحة الوطن فهي من الجمعيات الجاذبة جداً والمشمولة والمسكونة بهم الوطن. ودورها إيجابي في كل ما يتعلق في الشأن العام.

كيف ترى مستقبل الأردن في ظل الظروف الحالية؟

المستقبل لا يعلمه إلا الله، ولكنني أعتقد ان مستقبل الأردن سيكون مثل ماضيه.

استراحة



وزيراً للصحة

كنت مديرا للخدمات الطبية برتبة لواء عندما شكل عبد المنعم الرفاعي حكومته، فاتصل بي وأخبرني رغبة الملك الحسين في حمل حقيبة وزارة الصحة .

قابلت جلالته لأسمع منه شخصيا فقال لي: أريدك وزيرا للصحة، ألست أنت الذي بدأت مشروع معالجة العائلات في الجيش، وأوصلت الخدمات الطبية إلى مراحل متقدمة، كما أنك ترغب في الإرتقاء بمستوى الخدمات العلاجية في وزارة الصحة، وهذا أمر يحتاج إلى جهد وعمل وتغيير، وأنت الذي اقترحت توحيد مستشفيات الطب العلاجي في مؤسسة واحدة.

استجبت لرغبة الحسين وتسلمت مسؤوليتي وزيرا للصحة، وبدأت بالتخطيط لتوحيد المستشفيات، كان ذلك في عام 1969.

لقد وجدت ان المستشفيات التابعة لوزارة الصحة في عمان متعددة وصغيرة جدا، ولكل مستشفى تخصص معين ومتواجد في أماكن متباعدة .

شكلت لجنة من كبار العاملين في الوزارة وهذه المستشفيات للنظر في الحل وربما التوحيد.

قدم التقرير والتوصيات وتم بناء على اصرار الجميع ان تتبع الأقدمية التي كانت من نصيب مدير المستشفى الجراحي د. جميل مرقة وصدر قرار تعيينه.

وفي اليوم التالي فوجئت باستقالة اثنين من أعضاء اللجنة، وعلمت أن شكوى قدمت ضدي للجهات العليا بأنني قمت بعمل مدمر لوزارة الصحة بتوحيد المستشفيات ولا بد من الغائه.

في المحصلة ضمت جميع المستشفيات إلى المستشفى الجراحي في الأشرفية، وتم استئجار عيادات كاملة قرب المستشفى وقد نجح د. مرقة بذلك.

عندما جئت رئيسا للجامعة الأردنية، كان ذلك أمراً مدهشاً ومثار استفهام الهيئة الإدارية والتدريسية وطلبة الجامعة.. لماذا الطبيب الضابط، وما علاقته؟

هذا صحيح.. كانت نظرة أساتذة الجامعة وطلبتها نظرة تشكيك، علما أنني كنت في عام 1962 عضوا في اللجنة الملكية للتربية والتعليم للنظر في تغيير المناهج التربوية والتخطيط لإقامة الجامعة الأردنية.

وحسب سؤالك أعود لحساسية الهيئة التدريسية والطلاب فلم أتجاهل هذا الشعور وإنما عملت على تغييره.

بداياتي في الشهور الستة لقاءات مستمرة مع الأساتذة والطلبة في حوار مستمر، وهذا أثمر بشعور كل أستاذ وطالب وإداري ان الجامعة جامعته، وهو شريك وحر فشعر الجميع بتجاوب رئيس الجامعة معهم فتغيرت النظرة الدكتاتورية التي كانوا يشعرون بها تجاهي وسارت الأمور بشكل جيد.

أذكر في أول اجتماع لي بالعمداء محمود السمرة ورشيد الدقر وتحسين عزت تقدمت اليهم بمشروع انشاء كليتي الطب والشريعة ووافق المجلس على الاقتراح وتم الاعلان في ايلول من عام 1971عن قبول الطلبة في كليتي الطب والشريعة وفي عام 1972 تم انشاء كليتي الزراعة والتمريض وفي 1973 أنشئت كلية الهندسة، وخلال خمس سنوات من رئاستي للجامعة تم انشاء عشر كليات.

قيل أنك كنت حازما جدا باتخاذ قراراتك وكأنها أوامر عسكرية لا نقاش فيها:

نعم... كنت حازما وحاسما في قراراتي، ولم أكن أحيد عن قرار أتخذه تجاه من يتجاوز حدوده، هي ليست أوامر لا نقاش فيها كما يظهر سؤالك لأنني كنت أمنح عميد الكلية السلطة الكاملة باتخاذ أي قرار يجده مناسبا دون أي تدخل من طرفي، حتى الابتعاث لحضور المؤتمرات التي كانت ترسل للخارج يقررها عميد الكلية.

لقد دافعت عن مستوى الجامعة مثلما دافعت عن مستوى الأساتذة ووقفت بجانبهم وعملت على زيادة رواتبهم وحقيقة فإن مستوى الجامعة الأردنية من أحسن الجامعات، نعتز بها ونفتخر ، وان كان هناك من تغيير طرأ عليها وهذا موجود يعود سببه ان أعداد الطلبة أصبح مضاعفا ولا يتسع المكان لهذا العدد مما يصعب على الأساتذة اداء واجباتهم بأريحية كما أن الطلبة لا يحصلون على ما يجب أن يحصلوا عليه في ظل هذه الأعداد الضخمة وهي في تزايد عاما بعد عام.

التربية والتعليم

تركت الجامعة في عام 1976 وتسلمت حقيبة وزارة التربية والتعليم في التعديل الحكومي الذي أجراه مضر بدران على حكومته إضافة لحقيبة وزارة الدولة لشؤون الرئاسة.

قبلت وزارة التربية بحماس وفي ذهني ان التقدم الوطني كله مرهون بتقدم التربية فكان لا بد من التحديث الجذري في القضايا الأساسية التي تشكل صلب العملية التربوية( المنهج والمعلم والطالب).

ما هي الحقول التي تميزت بها خلال مشوارك العام الذي قضيته بين الطب والتربية والسياسة؟

من الصعب التحديد ، ولكنني وجدت نفسي في الخدمات الطبية منذ نشأتها، وكذلك أثناء وجودي في الجامعة حيث رافقتها منذ نشأتها واعتبر هذين المجالين جزءا من حياتي.

هل تخشى من التاريخ؟

المغرضون حيث ما وقعوا في الدنيا يشوهون التاريخ ويقلبون الحقائق وما يهمني إلا الله تعالى أعطاني العقل وأن أكون ابنا لهذا البلد وان أعيش فيه لخدمته والحصول على حقوقه ،وأن ما حصلت عليه هو حق الشعب الأردني.

اسرائيل تعتقد ان حدودها بين الفرات والنيل والكل يعلم ذلك وفي المعاهدة أصبح لها حدود شرقية ثابتة فهذا اعتزازي، أما المعارضون الذين يعتقدون ان واجبي تحرير كل فلسطين فهذا ليس واجبي لوحدي وانما واجب كل العرب والمسلمين وأنا فرد منهم.

«من بيت الشعر الى سدة الحكم».. ما هي الرسالة التي أردتم تعميمها بمذكراتكم الشخصية تحت هذا العنوان؟.

العمل يحتاج إلى جد ومثابرة، منذ الصغر حتى الكبر،. والحياة سلم نصعده درجة درجة حتى نصل لغاياتنا بتحقيق طموحاتنا وآمالنا، الصعود الفوري السريع يسقط صاحبه سريعا، الأمر يأتي بالتدريج وبالوقت مع السعي الدؤوب.

الجيل الجديد الذي لم يعش مرارات البداية، وصعوبات البناء، عليه ان يدرك أن التعجل في الحصول على كل شيء يؤدي إلى خسارة الكثير... على هذا الجيل أن يقرأ جيدا كيف كان الأردن وكيف أصبح.

* كيف كان الأردن من خلال رحلة العمر ؟

الأردن وطن محسود، لكنه محفوف بالعناية الإلهية.. محسود على ما كان عليه وما حققه، ومحفوف بالعناية الإلهية لأن العزيمة التي تحققت للملك المؤسس، وللحسين بن طلال وللخلف الملك عبد الله الثاني هي عظمة وخلق وعزيمة هاشمية بادلها الشعب الأردني بالوفاء والتقدير.

كم مر على الأردن من البناة الصادقين الذين لبوا نداء الوطن، ومنهم من ظل جنديا مجهولا، ومنهم من لمع برقه، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.

ماذا تقول لحسادك؟

الله يسامحهم.

على ماذا أنت نادم؟

لست نادما على شيء قمت به، ولو عادت بي السنوات إلى بداياتها لاخترت نفس المسار دون تغيير.

يقولون أنك جاد جدا لا تبتسم، وأنا أراك كذلك:

هي صفة أشارك فيها شقيقي عبد الوهاب ووصفي التل.. نحن نفرق ما بين العمل الرسمي والخاص فنجد أنفسنا بلا شعور جادين أثناء العمل الرسمي وخارجه علما أننا اجتماعيون جدا.

ما هي خلاصة ما تريد قوله؟

قوله تعالى (من يعمل مثقال ذرة خيراً يره) فكل ذرة تبذل في سبيل الوطن سيأتي اليوم الذي نأخذ ثمنها كاملا. أما الذين يدعون أن العقبات أكبر منهم فهؤلاء لا يرون إلا أنانيتهم ومصالحهم.. أشعر حقيقة أنني أغنى انسان في الدنيا لأنني استطعت أن أفكر وأرى وأعمل، وكل ذلك واقع أمام عيني في كل محطات حياتي وهذا من فضل ربي.