أبواب - ندى شحادة

بين الأزقة والشوارع الضيقة يتنقل الزائرون في أحضان مدينة عكا ونسيم البحر يحيط بهم، وعلى شواطئها يتراقص الموج ليحيي عاشقيها من كل مكان ليخبرهم بأن تلك المدينة ما زالت تحتفظ بملامحها بعد أن تعذر على الزمان والغزاة تغييرها.

وفي جولة لكاتبة التقرير في مدينة عكا تتجلى روعة وجمال فنون العمارة الفلسطينية، فنرى المحلات التجارية ذات البناء القديم والمنازل المبنية من الحجارة الجبلية تنتشر على جوانب الأزقة الضيقة لترسم ذاكرة الأجيال القادمة.

وخلال المسير، التقت $ في السوق بصاحب محل للمطرزات اليدوية يدعى أحمد شمالي فأبدى تمسكه الشديد بالبقاء في محله الصغير رغم محاولات الاحتلال المتكررة لإقصاء السكان عن مدينتهم، ويقول «رغم المحاولات المستمرة لإفراغ عكا من أهلها الإ أننا نزداد تجذرا في أرضنا ووطننا، وحبي لها يدفعني للبقاء في محلي الصغير رغم تدني الدخل الذي أحصل عليه مقابل أجر المحل والمصاريف المرتفعة والضرائب التي تفرض علينا».

ويلفت شمالي إلى أن: «عملنا كتجار في السوق يتأثر بالأحداث السياسية التي تجري في الضفة، فالوضع كان أفضل في السنوات الماضية، و أصبح المكسب المادي صعب المنال في ظل التحريض المستمر لمقاطعة العرب بالإضافة إلى الضرائب المرتفعة في ظل مدخول غير كاف».

ويفيد أن: «الرحلات الأسبوعية التي أصبحت تنظم لسكان عكا للمناطق الفلسطينية أثرت بشكل كبيرعلى تجارتنا، فقد أصبحت مناطق الضفة ملاذهم الأول لشراء ما يحتاجونه».

وبين أسوار عكا وبحرها ما زالت المدينة تقاوم مخططات الغزاة المتواصلة على مر الزمان لطمس معالمها العربية وتزوير هويتها.

ويقول الباحث في تاريخ الحضارة العربية محمد ياسين :«ازدهرت مدينة عكا على مر العصور، وما زالت تحتفظ بذاكرة خالدة، بدأت منذ عهد الفراعنة والآشوريين والإغريق مرورا بالرومان والفتوحات الإسلامية ووصولا إلى الفاطميين والصليبين والعثمانيين، وارتبط اسمها بأسماء العديد من الفاتحين والحكام، فما زالت ذاكرة الماضي تزدحم بأسماء خطها التاريخ كصلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد ».

ويضيف: « هناك معالم أثرية عديدة في مدينة عكا، فمسجد الجزار الذي بني عام 1781 وقلعة المدينة العثمانية من أروع مظاهر الفن الإسلامي، وكذلك العديد من العالم الأثرية كالحمامات التركية وبرج الساعة الذي بني عام 1900 بمناسبة مرور 25 عاما على اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني العرش، بالإضافة إلى الاسواق وقناطر المياه والمقامات والخانات التي تحمل ارثا حضاريا زاخرا».

ويبين ياسين أن: «سور عكا شكل عمارة قوية ومنيعة، وتشير المصادر التاريخية إلى أن بناء السور يعود إلى العهد اليوناني أثناء حكم الإسكندر المقدوني، وجرت عليه ترميمات وتصليحات عدة وفقا للمراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة ».

ويلفت إلى أن: » سور عكا عبارة عن عدة أسوار بنيت في عهود متتالية لتشكل سورا حديديا لحماية المدينة من الغزاة».

والتقت كاتبة التقرير على شاطئ عكا بفرج الخلايلة وهو صاحب أحد مطاعم السمك منذ أكثر من ثلاثين عاما،ويقول إن رؤيته للبحر يوميا ترسم في داخله سعادة وفرحة لا تنتهي، ورغم العوائق التي يواجهها في عمله الإ أن إصراره على العمل والبقاء يزداد يوما بعد يوم، ويضيف: «صعوبات كثيرة تعترض عملنا، فمن جهة نواجه مشكلة إغلاق مناطق واسعة للصيد من البحر بذرائع مختلفة، ومن جهة أخرى تفرض الضرائب والرسوم الباهظة علينا كصيادين وكعاملين في مطاعم الأسماك».

يذكر أن مدينة عكا تعد من أقدم مدن فلسطين التاريخية، وتقع على البحر الأبيض المتوسط على الرأس الشمالي من خليج حيفا غرب منطقة الجليل، وتبعد 179 كيلومترا شمال غرب مدينة القدس، بناها الكنعانيون عام 1300 قبل الميلاد، وأطلقوا عليها في ذلك الوقت اسم عكو بمعنى الرمل الحار نظرا لأنها بنيت على الساحل، ثمّ انتقلت إلى الفينيقيين، واحتلها العديد من الغزاة نظراً لموقعها التجاري المميز .