يحار البعض، ولا يحار آخرون كثر، في فهم تصريحات دونالد ترمب التي يطلقها جزافا في بلد تحكمه سلطات دستورية ومؤسسات ديمقراطية ويعبر بها عن رأيه في احداث او وقائع او اشخاص ويتحمل تبعاتها شعب الولايات المتحدة باسره فالرئيس هو المسؤول الأول الذي يتمتع ببعض الصلاحيات المطلقة في اقوى دولة في العالم يسميها البعض بحق امبراطورية لا بالمعنى اللغوي البسيط بل بالمعنى السياسي الامبريالي! ومن بين ما يخطر على البال في خضم هذه الحيرة الاحتمالُ المرعب لو قرر هذا الرئيس فجأة الضغط على زر اطلاق الصواريخ النووية وتفجير الكرة الارضية بحرب عالمية مجنونة ثالثة دون الرجوع الى الكونغرس؟! ولا يهدّئ من فزع العالم وهلعه قولٌ مشكوك في صحته بأن هناك ضوابط عسكرية لمدة ساعة قبل تنفيذ مثل هذا الأمر الرئاسي!!

ننتقل من قرع ترمب لطبول الحرب الى تصريحه العنصري الاخير ضد اربع نساء تقدميات من الحزب الديمقراطي في الكونغرس ينتمين الى اقليات ليست من اصول بيضاء (!) واتهامه لهن بالشيوعية او العمالة للفلسطينيين بعد ان ضاق ذرعاً بمواقفهن المعارضة حيث قال: عليهن أن يعدْن الى اوطانهن! فأثار موجات هائلة من الاستهجان والغضب محليا وعالمياً.

في هذا المقام يقتحم الخيالَ السياسي سؤالٌ نظري يطرحه المفكرون في دول عديدة منذ زمان طويل لمواجهة خطر هيمنة رئيس واحد أحد على الدولة مهما كان شخصاً مثالياً ثم العيش طوال عهده في خوف دائم من استغلاله للسلطة او الشطط في اتخاذ قراراته حتى ضمن صلاحياته فيزج بالبلاد مثلا في اتون حرب أو يدفع بها بقرار مالي أهوج الى هاوية افلاس اقتصادي كامل ؟! وباستعراض سريع لانواع الرئاسة في العالم نتجاوز الدول غير الديمقراطية أو الدكتاتورية المعروفة فهي لا تصلح لهذا السؤال أصلا، ونمر مرور الكرام على دولٍ ديمقراطية تقليدية مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا لا تتشابه انظمتها الرئاسية لنجد الاجابة غير شافية !

وعندما ينشأ السؤال الاكبر: لماذا لا تكون الرئاسة جماعية إذن؟! فنتذكر أن ذلك مطبق منذ مئات السنين بسلاسة وامان في بلد اوربي صغير هو سويسرا حيث رئاسة الدولة يمارسها مجلس الوزراء باعضائه السبعة نساءً ورجالاً يختارهم البرلمان ويرأسهم أحدهم (او إحداهن) لمدة سنة بالتناوب لكنه لا يملك اتخاذ أي قرار منفرد بل المجلس هو الذي يتخذ القرار، ولا يمثل الدولة السويسرية إلاّ صوريا وفي المناسبات التي تقتضي ذلك!

وبعد.. هل ذهبنا بخيالنا بعيداً مدفوعين بالقلق من شطحات الرئيس الفرد ؟! وحين نعلم ان سويسرا ليست هي الحل فماذا عن الدبمقراطية التشاركية؟!