كان لافتاً فوز منتخب الجزائر بكاس الأمم الأفريقية بعد خروج المنتخبات العربية (الأفريقية) واحدا تلو الآخر. وكان الانتصار الجزائري مبعث فرحة عربية واسعة عمت مختلف أقطار الأمة من مشرقها إلى مغربها بلا استثناء.

صحيح أن الصدع العربي شديد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وصحيح أن المعارك والنيران ما تزال مستعرة هنا وهناك في غير بلد عربي. وصحيح أن قوى التغيير والإصلاح مستمرة في نضالاتها هنا وهناك في عدد من البلدان، وأن بعض الأقطار تسعى إلى استكمال مسيرة الإصلاح الديمقراطي السلمي الهادئ.. صحيح أن الناس في معظم بلداننا مشغولة كثيراً بلقمة العيش عن أن تعبر عن فرحة أو تحتفي بانتصار في ملاعب كرة القدم أو محفل رياضي. غير أن هذا كله لم يمنع الشباب بخاصة، والجماهير الرياضية بعامة، وحتى غير المهتمين بشؤون الرياضة، من الخروج إل? الشوارع للتعبير العفوي عن بهجتها بالفوز الجزائري الذي أعاد إلى القلوب فرحتها، وإلى الوجوه سعادتها وإلى المشاعر القومية ألقها وحضورها.

لست من متابعي كرة القدم ولا من كثيري الاهتمام بالشأن الرياضي.. ولكنني رأيت هذه الفرحة العربية بالفوز الجزائري وقد غمرت الجميع ودخلت إلى كل البيوت العربية ولتتزين الصبايا وواجهات المحلات والبيوت بالعلم الجزائري الذي رفعه الجميع عالياً، فبات رمزاً لكل العرب.

ولا نتجاهل هنا أن العرب أفراداً وجماعات وهيئات حققوا ويحققون كثيراً من النجاح والإنجازات في مختلف المجالات والحقول العلمية والطبية والتربوية والفكرية والثقافية والتقنية، وهي كلها موضع الفخر ومناط التقدير والاحترام.

ليس من باب المبالغة، ولا من باب الزهو العربي أن نحتفي بالفوز الجزائري، ولكن أيضاً من كون الجزائر ثورة المليون ونصف المليون شهيد، ولها في قلب كل عربي مكانة لم تهتز، وتقدير لم يتراجع. فأجيال عربية عديدة ما زالت تتذكر بفخر تلك الأيام التي كان طلبة المدارس في المدن العربية ينشدون باعتزاز نشيد الثورة الجزائرية في طابور الصباح، ولازمته العظيمة:

(قد عقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا فاشهدوا)..

ولن ننسى كيف كنا- ونحن على مقاعد الدراسة الابتدائية أو المتوسطة- نسارع إلى التبرع بمصروفنا اليومي لنصرة شعب الجزائر، وكان يسمى (قرش الجزائر)، مثلما كانت النساء في المدن والأرياف والبوادي يسحبن حليهن من أيديهن وأعناقهن ليقدمنها دعما للثورة الجزائرية..

تلك الأيام أيضا كانت أيام اعتزاز وفخر ببطولات الثوار وانتصاراتهم على الاستعمار الفرنسي.

تأخذنا الفرحة كثيراً، ولكنها لا تنسينا الواقع بما فيه من سلبيات وثغرات وأخطاء وخطايا وتحديات وانتهاكات لسيادة الأمة وهويتها واعتداء على أراضيها ومقدساتها، وتجاوز وافتئات على ثوابتها.

Mna 348@gmail.com