كتب - ناصر الشريدة

حين تقف امام سور قلعة تبنة العتيق المتين الصامد امام العوامل الطبيعية منذ مئات السنين، وتنظر في افق فلسطين الحبيبة والجولان المحتل، تشتم رائحة مجد وتاريخ امة كانت تغني بلاد الشام اوطاني لكافة اثارها الخالدة الشاهدة والحاضرة على طول مساحة الاردن، املا في اعادة دائرة الاثار تجهيز عرائسها بثوب جميل مزركش.

ويستغرب الأردنيون منذ تأسيس دائرة الاثار العامة الاردنية في عام (1923) وصدور اول قانون لها عام (1934)، بُطء التنقيبات والترميمات الاثرية للمواقع الاثرية ما ظهر منها وما بطن، ما تسبب في اظهار اغلبها على شكل هياكل حجرية صماء كأنها لم تكن يوما حاضرة وشاهدة عظيمة، بحجة محدودية ميزانية الدائرة.

وينظر اردنيون الى ان دائرة للآثار منذ عام (1923)، لم تبدع بابراز المواقع الاثرية وتلملمها من الاندثار بشكل يفتح مساحات واسعة من العمل والتشغيل لاردنيين، وفقا لقانون الآثار رقم (21) لسنة (1988)، الذي اجاز لها وضع اليد على كل اثر قبل عام 1700 ميلادية.

وتظهر ارقام ومخصصات برنامج المحافظة على الارث الحضاري والمواقع الاثرية لدائرة الاثار العامة على موازنات وزارة السياحة والاثار لاعوام (2017-2021) على التوالي، (٢١٩٧٨١٦ و٤٢٦٧٠٠٠ و٥٨١٥٠٠٠ و٧٣٦٠٠٠٠ و٦٧٣٦٠٠٠) دينار، وهي لم تؤد الى ابراز منظومة اثرية مؤهلة لقطاع السياحة الذي يحصد الملايين على موازنة الحكومات.

وحسب الباحث الدكتور احمد الشريدة، لم تستغل دائرة الاثار العامة على مدى سنوات وجودها، قدرات وطاقات مئات طلبة المعاهد والجامعات الاردنية الدارسين تخصصات الاثار وتفرعاتها، في ترميم وصيانة تلك المواقع عبر بوابة التدريب العملي والتشغيل الرمزي، من اجل النهوض بها وتأهيلها كمقاصد جاذبة للزوار والسياح، وفي ذات الوقت توفير فرص عمل لهم بعد تخرجهم، ما ادى الى تعطلهم عن العمل.

وتقول خريجة الاثار من جامعة اليرموك عام (2001) هاجر بني سلامة، ان نظرة الجهات المعنية الرسمية والمستقلة لقطاع تطوير المواقع الاثرية ليست بالايجابية والوضوح التام لدور الاثار في جذب السياح ورفد خزينة الدولة، مشيرة الى ان المخصصات المالية والشواغر الوظيفية السنوية المقررة للقطاع محدودة جدا.

ومع اقتراب بلوغ دائرة الاثار الاردنية المئوية من عمرها، الا انها لم تتمكن من رصد الاموال اللازمة لغايات الترميم والتطوير والاستملاك، رغم استقلالها المالي عن وزارة السياحة، وهذا اثر على خططها في اعادة تأهيل المواقع الاثرية، دون ان يفهم الموظف بالميدان والمتابع سبب ذلك.

وتشير موازنة اللامركزية لقطاع الاثار العامة بمحافظة اربد العام 2019 الى تخصيص مبلغ (162128) دينارا شملت اعمال صيانة وترميم ومسوحات وتنقيبات وتنظيف مواقع اثرية، في حين تم رصد مبلغ صفر دينار للتنقيبات والاستملاكات، بعدما كانت في موازنة عام (2018) نحو (736) الف دينار.

ويعد مهتمون بشأن تطوير قطاع الاثار باربد، ان تخفيض مخصصات قطاع الاثار على موازنة اللامركزية لعام (2019) يشير الى عدم جدية الحكومة في احداث تغيير ايجابي بتطوير القطاع، رغم ان موازنة اللامركزية لهذا العام زادت بنحو (8) ملايين دينار، ما يستوجب زيادة مخصصات الاثار العامة الحالي لا تخفيضها.

وحسب زوار لمدينة صمد الاثرية في لواء المزار الشمالي، ان تواصل تخفيض مخصصات قطاع الاثار لحساب برامج السياحة، اجّل مشاريع ترميم وصيانة المواقع الاثرية التي تعد مقصد السياحة الأول بالاردن، وتسبب بزيادة العبث بها من قبل العوامل الطبيعية او مواطنين باحثين عن الدفائن، وحرم الدولة موارد مالية.

ويبرر عضو مجلس محافظة اربد الدكتور جهاد مقدادي، تخفيض مخصصات قطاع الاثار لعام (2019)، بعدم ظهور أي نشاط اثري لافت بالمحافظة من اعمال ترميم وتطوير لمشاريع مدرجة على مخصصات العام الماضي، رافضا مقولة عدم المام المجلس بطبيعة عمل الاثار ودورها الاساسي في تشكيل منظومة السياحة الوطنية. ويقول مفتش اثار لواء الكورة الدكتور سلامة الفياض بني عامر، ان تخصيص مبلع عشرة الاف دينار عام (2019) لقطاع الاثار بالكورة، الذي ينتشر فيه (51) موقعا معتمدا، لم يشمل سوى اعمال تنظيف محدودة لعدد من المواقع، لا سيما ان تلك المواقع بحاجة الى تأهيلها وتطويرها لتشكل جذبا للسياح والزوار.

ويدعو مفتش اثار اربد المهندس امجد البطاينة، المتعطلين عن العمل من حملة المؤهلات العلمية بالاثار الى التفاؤل بزيادة مخصصات قطاع الاثار بمحافظة اربد في الاعوام المقبلة، فرغم تخصيص اللامركزية مبلغ (162) الف دينار العام الحالي لقطاع الاثار وهو رقم قليل مقارنة بعدد المواقع الاثرية بمحافظة اربد والبالغة (300) موقع، الا انه تم تشغيل نحو (300) شخص في اعمال الترميم والحفريات ونظافة المواقع ولمدد محددة بثلاثة اشهر.

وحسب ارقام صادرة عن ديوان الخدمة المدنية، ان عدد المتقدمين من حملة تخصص الإنثروبولوجيا (الاثار) بلغ (436)، منهم (54) شابا و(382) فتاة، و لم يتعين أي أحد منذ تاريخ إصدار الكشف التنافسي لعام 2017 حتى تاريخه.

لكن يبدو ان عمليات ومهام دائرة الاثار العامة لا زالت تنفذ على استحياء بمحدودية المخصصات المالية، فضلا عن ان النظرة السائدة بأن السياحة اولا واغفال الاصل الاثري ثانيا يخيمان على مشهد توزيع الموازنات بالميدان، الامر الذي يتطلب من الحكومة والنواب ومجالس المحافظة في قادم الايام اعطاء الدعم المادي الوفير لتطوير قطاع الاثار من اجل تحقيق غاية الاستثمار والتشغيل، فهل يتحقق هذا المنال.