أبواب - تالا أيوب

«برازقة» لقبٌ التصق بطالب (17 عاما) لانتشار البثور على وجهه بما يشبه حلوى «البرازق»، فاستغللن زميلاته ذلك اللقب ليحرجنه في أية فرصة تسنح لهن، الى أن حصل موقف أمام معلم الصف الذي بدوره أعجبه اللقب فانفجر ضاحكا، لم يستطع الطالب أن يتمالك نفسه حينها، فثار، وملأ صراخه المكان، وخرج من غرفة الصف محدثا ضجة عارمة، ومن ثم أجهش بالبكاء، ما اضطر إدارة المدرسة إلى أن تتخذ إجراء بحق الطالبات اللواتي أطلقن اللقب، والمعلم الذي وافقهن.

هذا الحدث وقع في إحدى المدارس الخاصة في عمّان، يعكس الأثر النفسي الذي يشعر به من يُنعت بلقب سلبي، اذ أن كثيرا من الأشخاص يطلقون الألقاب على غيرهم دون ان يأبهوا لمشاعرهم، فتعلق بهم، وتلازمهم الى أن يكبروا ويتزوجوا وينجبوا.

تقول المعلمة في مدرسة خاصة سحر عبادي: «يهدف غالبية الطلاب الذين يلقبون زملاءهم إلى السخرية منهم والتقليل من شأنهم وبالتالي تنعكس سلبا عليهم فيصبح الطالب الملقب عدوانيا وشرسا ومتمردا وانطوائيا وفاقدا لثقته بنفسه».

وتلفت عبادي الى أن المشكلة تصبح أصعب عندما يكون المعلم مصدر اللقب، وبالتالي أثرها أشد خطورة؛ لأن المعلم يحتل مكانة عالية لدى الطلبة، وعندما يلقب الطالب، فإنه يؤكد على وجود الصفة السلبية عنده، فتزيد من تنمر الطلبة الآخرين عليه.

وتشير الى أن بعض الطلبة يفرغون طاقة القهر والسخط على زملائهم في المدرسة نتيجة تلقيبهم من قبل اقاربهم في محيط الاسرة.

ينتقل اللقب الى أفراد أسرة الملقب به في كثير من الأحيان، تدلي كوثر محمود بتجربتها في ما يتعلق بذلك: «خطبت إلى شاب قبل ثلاثة أشهر، وجدت به كل مواصفات فارس أحلامي التي كنت أبحث عنها، فاصطحبني بزيارة الى حيّه القديم الذي كان يعيش فيه، وتعرفت الى بعض معارفه الذين أقرنوا اسمي بلقب خطيبي مباشرة مع العلم بأن لقب خطيبي سلبي، وبه نوع من الإساءة، فانزعجت من ذلك ما دفعني لأن أعيد تفكيري بالاستمرارية مع خطيبي لأن اللقب امتد الي، وبالتالي سيمتد لأبنائي فيما بعد».

يعبر الطفل مايكل جميل (9 سنوات) عن انزعاجه من الأطفال الآخرين الذين يلقبونه «دعبول» نظرا لزيادة وزنه، اذ يقول: «ما ذنبي أنا كي يزعجني الآخرون بكلامهم هذا، وبالأخص ان زيادة وزني كانت نتيجة دواء أتناوله لحالة مرضية».

لا تقتصر هذه الألقاب على السلبية فقط وانما تتعدى الى الإيجابية، الا ان الأخيرة تضفي سعادة وفخراً على من ينادى بها.

عن ذلك تقول أم يحيى محمود: «كنا نلقب أخي الصغير بالهدهد؛ تيمنا بالقرآن الكريم؛ لأن بحوزته الخبر اليقين دائما، ومن السهل الحصول عليه، كما كان أبي يلقب أختي بالدحنونة؛ لأنها لطيفة جدا، وما يزال اللقبان يلازمانهما الى الآن».

الناحية النفسية

تقول الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي فداء أبو الخير إن:«الإنسان يحب أن ينادى بأحب الألقاب إليه بشكل عام، اذ هناك أشخاص يطلبون من الآخرين مناداتهم ببعض الألقاب المحببة الى قلوبهم، فيما عدا ذلك نكون قد فرضنا عليهم أمورا معينة وقد تؤدي إلى مشكلة إما برفض هذا اللقب أو الإحساس بالضغط النفسي تجاهه».

تعتبر أبو الخير الألقاب السلبية نوعا من الإساءة اللفظية، وتعود على الشخص بمشاكل وإساءة نفسية، كما أنه من الممكن ان نعدها نوعا من أنواع التنمر خاصة اذا رفضت من الشخص نفسه.

وتلفت الى أنها تؤثر جدا على الناحية النفسية، ومن الممكن أن تخلق مشاكل مع شريك الحياة، وفي الحي، وفي المدرسة، وكلها لها أساس معين سواء أكان جسديا أو سلوكيا أو تتصل بشيء ما يتعلق بالعائلة. بينما الألقاب الإيجابية تعزز الثقة بالذات وتزيد التفاعل الاجتماعي بين الناس.

هل الألقاب جائزة شرعا؟

يقول أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله الدكتور محمد علي الهواري إن ظاهرة التنابز بالألقاب من الظواهر الاجتماعية السائدة في المجتمعات، وهو أمر منهيّ عنه في الشريعة الإسلامية، يقول الله تعالى في سورة الحجرات الآية (11) «ولا تنابزوا بالألقاب»، أي لا تدعوا بعضكم بالألقاب، والمراد باللقب في الآية الكريمة الإسم المكروه عند السامع.

ويبين الهواري وجود تفصيل للعلماء في حكم الألقاب، يذكرها بقوله: «إذا كان اللقب لا يعجب الملقب به فهو حرام، ومن يقوم بذلك فاسق لقوله تعالى في سورة الحجرات الآية (11) «بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان» لأن ذكر الشخص بما يكره يؤذيه، وأذية المسلم فسوق وهو غير جائز، وضابط الأمر أن كل ما يكرهه الإنسان لا يجوز مناداته به».

ويتابع: «إذا تعين ذكر اللقب طريقا إلى التعريف بالملقب لاشتهاره به، ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، وليس له فيه كسب يجد في نفسه منه عليه، أو لإرادة ذكر الصفة لا الانتقاص من الشخص نفسه، مثل: الأعمش، والأعرج، والأحدب، فهذا جائز».

ويضيف: «إذا كان اللقب يعجب الملقب، ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لقب أبا بكر بالصديق، وعمر بن الخطاب بالفاروق، وعثمان بن عفان بذي النورين، وخزيمة بذي الشهادتين، وهذه ألقاب يفتخر بها أصحابها، والألقاب الحسنة موجودة في كل الأمم تجري مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير».

الألقاب والناحية الاجتماعية

يلفت خبير علم الاجتماع الدكتور مجد الدين خمش الى تراجع هذا النمط الاجتماعي حاليا عمّا كان عليه في القدم، ويضيف: «كانت الأسر في السابق تعتبر الألقاب نوعا من الدعابة والتدليل اذا كانت إيجابية، ومن الممكن أن يكون بها نوع من السخرية، وتقليل شأن الملقب به والإساءة له اذا كان اللقب بحد ذاته سلبياً أو الهدف منه الإيذاء النفسي كلقب «أبو طويلة» فيصبح الطفل يكره طوله بالرغم من أن الطول صفة إيجابية، أما اذا كان قصيرا كأن يلقب «قزعة» أو «أزعر». وبالتالي لها تأثيرات سلبية وتنتقل من الأسرة إلى الجيران ومن الممكن أن تنتق? الى الأقارب والمدرسة، وبالتالي يزيد التأثير ويتعمق».

ويشير خمش الى أن أسماء العائلات في السابق سميت بها نظرا للمهن التي امتهنوها أو الألقاب التي لقبوا بها، إذ كانت في السابق عادة اجتماعية وكانوا يتعارفون على بعضهم من خلال صفات بارزة لدى أشخاص بدأت منذ أيام الطفولة، ولصقت بهم وبقيت مستمرة الى أن أصبح هناك تسجيل الأسماء وشهادات الميلاد.

ينصح خمش بأن تركز الأسرة على اللقب الإيجابي فقط، وأن يكون بناءً، أو أن تمتنع عن ذلك؛ لأنه مع التكرار سيصبح المفهوم جزءا من صورة الذات لدى الطفل، وسيقرن ذاته بهذا اللقب، وسينظر الى نفسه من خلال اللقب، وبالتالي سيصبح جزءا من شخصيته.

ويخلص خمش الى ضرورة تنبيه أبناءنا إلى عدم استخدام هذه الألقاب السيئة حتى لو لقب الآخرون بها، لتقليل انتشارها وتأثيراتها السلبية.