عمان - جوان الكردي

تختلف النظرة حيال الشهادة الجامعية ودورها وأهميتها والغاية منها..

فقلة قليلة جدا تذهب إلى أن الهدف من الدراسة الجامعية هو تكوين شخصية الطالب وتهيئته وتسليحه بالخبرات والمهارات وبالأدوات اللازمة لخوض غمار حياته بعد التخرج، وعلى رأسها التفكير العقلاني ومعالجة المشاكل التي تواجهه بمنطقية.

وتذهب غالبية الآراء، حتى في أروقة الحكومة وإدارات التعليم العالي والجامعات، إلى ربط الشهادة (أو ما اصطلح على تسميته بمخرجات التعليم) بمتطلبات سوق العمل.

ونتيجة تركيبة الدولة (الدولة الريعية) في فترات سابقة منذ إنشائها، والعقليات التي قادتها وسيّرتها، صارت الوظيفة في القطاع العام هي المطلب الأول والمفضل لدى الكثير من خريجي الجامعات، حتى عند خريجي التخصصات المهنية كالطب والصيدلة والهندسة والقانون..

وبسبب توجه الأهالي والآباء والأمهات وإصرارهم على توفير أفضل تعليم لأبنائهم، وتوقهِم الشديد لرؤيتهم وهم في أرواب التخرج يحملون شهاداتهم (سلاحهم لدخول معترك الحياة وعدّتهم لبناء مستقبلهم)، ومع تزايد أعداد الجامعات في الداخل، وصلنا إلى حال، تكدست فيه عشرات الآلاف من الشهادات الجامعية على رفوف ديوان الخدمة المدنية، دونما شواغر تكفي هذا الكَمّ الهائل من طالبي الوظائف.

فيما يتواجد الآن على مقاعد الدراسة الجامعية نحو 265 ألف طالب.

ورافق ذلك ضيق أفق في الانفتاح على القطاع الخاص وتفعيله وإطلاق قدراته الكامنة في توفير الوظائف، وجذب الاستثمارات وتشجيعها لتوفير فرص عمل للخريجين.

«ليتني لم أدرس»

«أم أحمد»، وهو اسم مستعار لسيدة متزوجة طلبت عدم نشر اسمها الصريح، تقول:

«هذا الموضوع أعاد فتح جروحي ونزّل دموعي.. أقسم بالله».

أم أحمد تيتمت وهي ابنة عشر سنوات، وكان حلمها أن تدرس في الجامعة «حتى لا أحتاج أحدا».

وفعلاً اجتهدت في دراستها ونجحت بمعدل ٨٠ في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) عام ٢٠٠٠، وحصلت على قبول في الجامعة تنافسيا. غير أن «لا أحد من إخوتي قبل أن يساعدني في تكاليف الدراسة الجامعية، مع أن القسط لم يكن يتجاوز ٣٠٠ دينار بالفصل الدراسي.

تتابع: كنت مستعدة لأن أعمل في أي عمل حتى أحقق حلمي بأن أدرس في الجامعة، وأخي الكبير كان متزوجا وعرض علي أن أتنازل له عن حصتي في البيت وأرضٍ ورثتها عن المرحوم والدي مقابل أن يتكفل بدفع الأقساط.

وهي قبلت وفرحت كثيرا لأن «الشهادة عندي كانت أهم من كل شيء». وفعلا أكملت دراستها الجامعية وتخرجت وحصلت على البكالوريوس من جامعة اليرموك «معلم مجال تربية إسلامية».

لكنها للآن ومنذ أن تخرجت قبل ١٦ عاما لم توفّق في الحصول على وظيفة.

لم يلحقها الدور في ديوان الخدمة المدنية، وعملت في بعض المدارس الخاصة، غير أن الراتب لم يكن يكفي للمواصلات ولوضع أبنائها في الحضانة.

وتقول وهي تندب حظها: «ليتني ما درست ولا بعت».

وهي الآن فقط ربة منزل، ولديها ثلاث بنات وولد. وهي تختم بالقول: عمري الآن 39 عاما، راح العمر واحنا نستنى بالوظيفة».

كانت حلماً

الثلاثينية يمامة إبراهيم ترى في الشهادة الجامعية «وثيقة رسمية تثبت أنك أتممت متطلباتها ولكنها لا تثبت أنك بحق تعمل بمتطلباتها».

لكنها تستدرك بالقول: «كانت حلما وريشة لرسم المستقبل الذي كنا نحلم به.. ولكن، للأسف، في ظل السياسات غير المدروسة وافتقار الكثير منا للداعمين أو (فيتامين واو) الذين نهبوا الكثير من الفرص التي كانت من حقنا؛ ثقلت أحلامنا حتى باتت ذكريات لا يستحب النظر اليها..».

وتستطرد يمامة، وكأن الزفرة تخرج مع حديثها،: «شهاداتي الجامعية، وليست شهادتي فقط، تعلوها غبرة التعب والسهر الذي طالني من أجل الحصول عليها لأزين بهن مجلدي الخاص بحفظ الأوراق المهمة».

وهي لا تنكر أهميتها على الصعيد العلمي «ولكن على الصعيد المهني والعملي ما يزال اسمي مجردا من مسماه الوظيفي..».

يمامة خريجة تخصص معلم صف منذ 16 سنة، وأكملت عليه دراسات عليا، ولم توفق بالحصول على وظيفة في أي مجال؛ «حالي كحال كثير من الخريجين، رغم أننا تقدمنا لكثير من الوظائف ونجحنا في الامتحانات والمقابلات. لكن دائما يأتينا الرد «لم تستوفِ الشروط..».

وتتساءل باستنكار: «ما هي الشروط؟! لم يكتب على طلب تقديمك للوظيفة (الراعي الرسمي) لطلبك..».

مرارة الاغتراب

خلدون أبو كرم (48 عاماً)، تخصص فني جيولوجي، يقول انه لم يعمل بشهادته إلى يومنا هذا.

يقول خلدون لـ$: بعد أن فقدت الأمل بالعمل في الأردن بشهادتي، وبحثت عن عمل لمدة أربع سنوات بلا طائل، فاغتربت، وأعمل في مجال آخر في بلدي الثاني الإمارات العربية المتحدة.

وهو يعمل مدير مبيعات في مصنع مطابخ، وزوجته خريجة منذ عام ١٩٩٦ ولم تعمل بتخصصها (أدب عربي).

وعن شعوره وهو يعمل في الغربة في مجال غير الذي درسه، يقول: «الحمد الله أنا مغترب منذ ٢٦ عاما، وثمن الحياة وتأمين سبل المعيشة والمستقبل هو الغربة».

يتابع، بشيء من الحزن،: «لا طعم لحياتك خارج الوطن، كيف يكون طعم الحياة عند سماعك أن أباك أو عمك أو صديقا لك أو جاراً يعز عليك قد فارق الحياة ولم يعد موجودا وأنت في الغربة لا تملك إلا قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».

وبالنسبة لخلدون، بغضّ النظر عن التخصص، السؤال أو التحدي الأكبر هو «كيف تكون ناجحا أكان في تخصصك أو خارج تخصصك؟

ويفصل بالقول: عملت مندوب مبيعات في بداية الأمر، وبعد ذلك تدرجت في المنصب إلى أن ابتسم لي الحظ؛ إذ كنت أفضل من يسوّق منتجات المصنع، ولذلك نُقلت من مندوب إلى مدير مبيعات في حال إثبات وجودي بتحقيق الهدف المطلوب من المبيعات.

والأمر كان سهلا جدا عليه؛ «فمن أراد النجاح عليه أن يصادق الوقت وأن يكون ملتزما جدا به، ومن يستطيع الوصول إلى تلك المرحلة تصبح الأمور المتبقية تحصيل حاصل».

بقّال

العشريني محمد الحمدان، تخصص هندسة مدنية، يقول: «أحببت هذا التخصص وحلمت به منذ الصغر، تخرجت منذ شهر، وبحثت عن عمل أو وظيفة، ولم أجد لغاية الآن، مع أنني اجتهدت والتحقت بدورات لتطوير ذاتي ومنها دورة تواصل فعال ولغة إنجليزية ومهارات حاسوب».

يتابع، حاليا أعمل في بقالة وأتمنى من الحكومة خلق وظائف حكومية في شركات ممولة من الحكومة.

مؤهل ولكن..

محمود حب الرمان (29عاما) تخصص بكالوريوس هندسة مدنية، تخرج منذ أربع سنوات، وتدرب في أكثر من شركة وعمل في تخصصه وحصل على خبرات ممتازة والتحق بعدة دورات تدريبية، كان لها الفائدة في العمل وتحسين أدائه ومستواه المهني.

غير أنه حتى الآن لم يجد وظيفة ثابتة ولا راتبا. وهو حاليا يعمل في مجال اكسسوارات السيارات «ولم يكن يوما طموحي أو أن خططت لهذا العمل».

ويلفت إلى أنه لا يوجد فرص عمل متاحة في هذا المجال ويقترح العمل على «إيجاد فرص عمل و/أو التخفيف من عدد الخريجين بهذا المجال».

مللت نفسي

أم بادي، تخرجت وحصلت على البكالوريوس في تخصص تربية الطفل منذ عام 2007

وتقول إنها في كل فترة تصور شهادتها الجامعية عدة نسخ وتوزعها عند تقديم الطلبات وتخبئ النسخة الأصلية، «وكل سنة على هذا الحال حتى مليت من نفسي».

ندم

نداء فريوان (37 عاما)، حاصلة على بكالوريوس جغرافيا منذ عام 2004، وهي حتى اللحظة لم تحصل على وظيفة.

تقول نداء: نظرتي للحياة باتت سوداوية إلى حد بعيد.. لا أكذب حين أقول إنني ندمت أشد الندم على كل ليلة سهرت فيها أثناء دراستي الجامعية وعلى كل لحظة بكيت فيها بسبب علامة متدنية أو بسبب إحراج المدرسين..

وهي تندم أشد الندم على كل يوم تأخرت فيه بسبب المواصلات وأقلقت أمها عليها؛ التي «ما تزال صورتها (رحمها الله) حاضرة وكأنها الآن، حين تضع كرسيها في الشرفة (البرندة) تنتظرني أيام الشتاء عندما كنت أنهي محاضرتي في الرابعة مساء أي وقت المغرب تقريبا..

وتتابع: أندم لأنني لم أجد من ينصفني.. أندم لأنني لم أحصل على عمل يشغلني عن الماضي.. أقولها..

وتنهي بتنهيدة مُمِضّة: «بكل صراحة لم أستفد منها شيئا، ولله الحمد على كل حال».

على الدور

أماني مريّان تخرجت منذ 7 سنوات وحصلت على البكالوريوس في إدارة الأعمال وبحثت عن عمل، لكنها لم تجد. ومع أن تقديرها جيد؛ إلا أن «ترتيب دوري في ديوان الخدمة المدنية بالآلاف، وأنا عاطلة عن العمل وأسدد قرضا جامعيا».

وصّلت الخمسين

حسن خالد، بكالوريوس كومبيوتر، يقول أنه منذ تخرج عام 1993 وهو يبحث عن عمل ولم يجد حتى الآن «وظيفة محترمة».

يقول حسن: في كل مكان عملت به إما الراتب متدنٍّ أو لا يوجد راتب كاف، مع ساعات طويلة من العمل، وأحيانا عدة وظائف إدارية مع وظيفتي، أو تغلق الشركة أبوابها لقلة الأعمال والتنافس الحاد في السوق».

يتابع حسن: أصبح عمري الآن 50 عاما وما زلت أبحث عن عمل ولغاية اليوم لم أعمل بشهادتي ولم أرتحْ في عمل أو أجد نفسي فيه.. ولم يظهر لي اسم بديوان الخدمة مع أنني طورت من قدراتي بالالتحاق بدورات لغة انجليزية، ومهارات ودورات متقدمة في الكمبيوتر، ولكن للأسف «الواو» هو المسيطر لا الشهادة ولا التقدير ولا الدورات ولا الشخصية.. المطلوب «واو».

ليست مجرد كرتونة

أما نهيل قعدان، فلا تنظر إلى الشهادة الجامعية على أنها مجرد «كرتونة هدفها الوظيفة»..

وتقول لكل من يسألها (بهذا المنطق) «ماذا فعلتِ بشهادتك.. فأنا لم أفعل بها شيئاً».

وتستدرك بالقول: «أما اذا كانت الشهادة خبرة في التعليم والتعامل مع الآخر نظرة مختلفة للأمور.. علم ينتفع به».

وترى في فترة الدراسة الجامعية كذلك «فن التعامل مع الأزمات.. صداقة جميلة تدوم العمر كله.. فن الذوق والأدب مع العلماء.. خبرة البحث عن المعلومة.. فائدة لأولادي بالمستقبل».

وتؤمن نهيل بأن من ينظر إلى الشهادة بوصفها وظيفة.. «فللأسف نظرته محدودة وسطحية».