صبحي شحروري

لا يقوم الشاعر عبد الناصر صالح بتقسيم قصائده إلى مقاطع، ويتطلّبُ هذا من الناقد جُهداً في الوقوف على محطّاتٍ معينةٍ تريحهُ أثناء قيامهِ بالتّحليل. ويتحدث الشاعر، أول ما يتحدث، عن البحر، وبموضوعية، فيرسم صورة واسعة التنويع والثراء عن البحر:

«للبحرِ أخيِلَةٌ وهذا الموجُ أزرَقُ

غيمةً غَسَلت ضفائِرَها

وبحّارونَ يحتفلونَ

رائحةٌ تجيُء من المداراتِ البعيدة».

وهذه الصورة الأولى عن البحر، تقوم على التّبعيدِ عن الذات، ثم تبدأ الصورةُ في الاقتراب من الشاعر، وخاصةً بظهور الجنس الأنثويّ في القصيدة. عندها يقترب الشاعر، ويبدو طَعينَ الاقتراب من النساء، غير أنَّ وراء الاقتراب ابتعاداً، والشاعر يناور، هنا، وكأنَّ المرأة تهمُّه ولا تهمُّه، وما يهمّه فعلاً هو القصيدة.

«للبحرِ أَخيِلَةٌ وهذا الموجُ أزرَقُ».

يقوم هذا السطر على مُفارَقَةٍ واضحة. للبحر أخيلَةٌ، أي أنَّ البحار تتشكّل وتتلوّن، كما تشاء، حمراء، سوداء، بيضاء. تلك تخييلاتٌ لا غير، وليست الألوان الحقيقية، بل طقوس جغرافية: تأثُّر بلون السماء، أو بلون المرجان، أو بلون أعشابٍ غزيرةٍ تنمو في القاع. كل هذا ممكن، غير أنَّ الثابتَ والواقعيّ، هو أنَّ الموجَ أزرق.

ذلك أمرٌ واقعيّ وخارج الأخيلة. والمهم أنَّ الموج هو واجهة البحر أمامنا، هو الذي يتحّرك وهو الذي يتشكّل، وهو الذي يقترب، لذا كان تركيز الشاعر عليه.

إنَّ اتسّاع البحر يسمح لظواهر كثيرةٍ أن تحدث في أجوائه العامة.

أن تُمْطِر: والصورةُ «غيمة غسلت ضفائرها» تنداح وتنجذب لمطر الجدائل، والماء من الأولى يغمر شَعْرَ الأنثى، جدائلها، وينسكب الماء واحداً في الحالتين، من تأنيث الغيمة، مجازا،ً إلى الأنثى الحقيقية والماء ينهمر من جدائلها.

بحّارون يحتفلون، وهم منسوبون لفظاً إلى البحر، ورائحةٌ هي جماع روائح عديدة تقطع المسافات لتصل إلينا. وباختصار: الطبيعة تتأنسن. تهيئ نفسها بكل أبعادها لخدمة الإنسان.

شاطئ، ويحلو على الشاطئ الغناء فكأنها دعوة.

ثم لَعبُ أطفالٍ يغريهم رمل الشاطئ بالبناء. كل شيء يجيء من أعماق البحر ليعرض نفسه على الشاطئ، وبالشراكة مع الإنسان.

«شاطئٍ يرنو لأُغنَيةٍ

وأطفالٌ يحثّون الخُطى

في البحرِ».

كل ما مرَّ فيه تبعيد، ويبدأ تدخُّل الشاعر، الآن، لتزيين الصورة العامة.

«بحر، شاطئ وأطفال».

والآن:

«كم في البحرِ من صَدَفٍ!

وأسماكٍ تُزيّن طقسَها في الماءِ

وامرأةٌ تشيّد معبداً للعشق فوق الرمّلِ

ترسُم ظِلَّها المحفوفَ بالرّغباتِ

تنثر نَبْضَها».

الشاعر، الآن، هو الذي يصف. أصداف، وأسماك لا بَّد ملوّنهً (زيّنت طقسها)، أما المرأة، فشيّدت معبداً للعشق. والعبارة تجمع النقيضَيْن، العشق والمعبد، وهذا غير غريبٍ عَرَفَتْهُ أزمانٌ قديمة، أقصد البغاء المقدّس. غير أنّ الشاعر لا يشير لذلك، بل هو يحترم التجربة، وربما الذكرى. ومعبد العشق لا بد له من عشّاق. وهي ترسُم ظلّها وتنثر نبضها كشركٍ حتى يأتي العشاق. والشاعر، هنا، يكمل المشهد مما يكون عادةً على الشواطئ.

والبحر، بكل ما فيه وما حوله، يرسم صوراً بصرّيةً بامتياز، ما عدا النبض الذي ربما هو الرائحة. إنَّ الشاعر، بحضور المرأة، يكمل المشهد، فكأنها ساحة عرض وتزينها المرأة.

أما الخطوة التالية، وقد اكتملت المشهديّة فهي: أنّ الشاعر يتدخل. تتحفّر ذاته ليبادل المرأة نبضاً بنبض، ونبضه مُلْتاع. وهو يطلق رغبته، غير أن المحيّر هو أن أجراسه لها وقع القداسة. إنه محبٌّ وعاشقٌ يعذّب نفسه لا غير، ذلك أنّ هدفه يختلف «فتكتمل القصيدة». أي أن القصيدة تتطلب كل تلك المشهديات والإيحاء بعلاقة لا تتم.

إنَّ إتمام القصيدة ليس أمراً سهلاً، إنَّه يتطلب كل ذلك، وحتى الإيحاء بوجود حالة حب، بدل الحب نفسه.

ربّما رعشةٌ دَهَمَت الشاعر في تلك الليلة الصيفية الأخّاذة، ربّما نجوم تألقت بالشّوق والحنين لرؤية كواكب بعيدة وأدرك ذلك الشاعر أو أحس به.

هناك ذكرى واحترام، وفي العشق حرمانٌ وبُعد، ولو كانت المسألة لقاءً واتحاداً لما كان هناك عشق. والشاعر مشغولٌ باكتمال القصيدة قبل كل شيء. وقصيدة العشق تحتاج لرجلٍ وامرأة، وتحدث إثارة ولا لقاء.

«يقفِزُ العَبَقُ المخبأ في الضلوعِ

الشمسُ تلبِسُ تاجَها

وتفكُّ قيدَ حنينها للبحرِ والأشجارِ

مسرعةً تمرُّ كخطوتي

لتُضيءَ أجنحَة الحروفِ وغابةَ الكلمات».

تتدفق عاطفة الشاعر، يظهر المُخّبأ في القلب، لا يظهر، بل يقفز فرحاً.

إن العشق هو المحرّك لجذر الحياة، ولكل ما يحيط بالإنسان. إنَّ الطبيعة من حولنا، وهي البداية والمحيط المشارك معاً، تتأثر هي الأخرى، الشمس نفسها مصدر الحياة تتزيّن، وتعرب عن حبّها للبحر والأشجار، وكلاهما يعتمد عليها، وتمرّ مسرعةً متأثرةً بالشاعر لتضيء، ولكن لتضيء القصيدة. وكأنّ هذا الاحتفال، وهذه الصورة البصرية المتراكبة، احتفالٌ بالشّعر لا غير. والشّعرِ وراءه افتراضٌ، تَهيِئةٌ هي كل هذا الذي بدا والذي جرى. الشمس أسرعت في النهاية لتضيء القصيدة، هذا مسّ، ولذا نبتت للحروف أجنحة واخضرّت الكلمات وتدفّقت بغزارة، م?لما هي الغابة.

وبسرعة شيء مرافقٍ يوهم بالحدوث ولا يحدث:

«مسرعةً تمرُّ كلهفتي عند اللقاءِ

كلهفةِ العُشّاقِ ينتظرونَ ليلَ جُنونِهِمْ

لا شمسَ إلا وجهُها

لا نسمةٌ تأتي مع الأمواجِ

تَعْبرُ جَدْبَ أيامي

سوى مطرِ الجدائلِ».

«عند اللقاء»: توهُّم واللفّظُ صريح. لكن لننظر إلى الابتعاد الفوريّ، وها هو الكلام يدخل إلى العموميّات فتخبو نار الشاعر، لعلّه أوهَمَنا بوجود اللّهفة.

«كلهفةِ العُشّاق».. وكأنّ الشاعر يقصُّ، ومن مكان بعيد.

وحتى وهو يصفها، فذلك يخلو من اللهفة.

ثم هذا التبعيد بسطرَيْن «لا نسمةٌ»، «تعبرُ» حتى نصل إلى صورةٍ بصريةٍ أخّاذة بحضورها الشديد، «مطر الجدائل»، الذي يفترض وجود امرأة في وضع خاص جداً.

إنَّ الحركة تدبُّ في الكون كله، بسبب الحُبّ أو بسبب الشِّعر، لا تدري وهما أبداً مقتربان، أمّا قول الشاعر: «ليل جنونِهِم» فهو أبلغُ، لأن السّهَر والمرَح وخَرْقَ العاديّ والمألوف، مرشّحٌ للاشتعالِ في الليل. فكأنَّ الجنونُ بهذا يتّسع ويمتدّ.

ونلاحظ الاستثناء: «لا شمس إلّا وجهُها». إنها على عرشها البحريّ، هي وحدها تلفت الأنظار، وأنظار الشاعر، وبامتياز. وقد تكرّر الاستثناء عند مطر الجدائل، وهو بنفسه استثناء أو مطرٌ استثنائيّ.

الطبيعة أعدّت نفسها بالكامل، ولكن لتنسى أمام الاستثنائي، أمام حضور امرأة.

إنّ للعشق بينهما تاريخاً، والشاعر يصف ذلك:

«كنتُ أسكُنُ نارَها

وبراعِمَ الرُّمان في دِمِها المُؤَلّه

أنتَشي بندىً يُلامِسُ خُضْرَةَ العينَيْنِ

تَرْمِقُني بنظرةِ وَجْدِها..

وأُسائِلُ الغَيْمَ المُكَدَّسَ عن جوانِحِها

فيسبِقُني صدى صوتي

لموعِدنا الذي قد كانَ

أيُّ قصيدةٍ ستُعيد مَوْعِدَها

الذي قد كانَ..

أيُّ براعةٍ ستضيءُ جَمْرَ الخوفِ والصَّبَوات..».

«كنت أسكن نارها»: «إن الشاعر لَيفسح حيّزاً واسعاً لأنين الروح وعنفها وحنينها الدائم» كما يقول د.علي جعفر العلّاق.

أنين الروح يأتي من أنه يسكن نارَها فعلاً، والذكرى تظلّ تعاوده، أما عنفها فيتجلّى في الصورة المائزة التي تطابق الواقع بيولوجياً وعاطفةً.

«وبراعم الرمان في دمها المؤلّه».

وألّه الدّم لأنه، باحتشاده لا غير، تشتعل العواطف وتُذكى. والشاعر، في ابتعاده واقترابه، يواكب الاشتعال والخمود، ذلك أنَّ النشوة التي تفطن إلى خضرة العينين، هي، في الاشتعال، درجةٌ أخفّ وطأة. إن حالة الاشتباك تتراجع لتفسح المجال للمشاهدة، والنقطتان: إسراف يدور حول اختلاس النظر مما يقوم به العاشقون.

والشاعر، هنا، يقدّم ويتراجع، يقترب ويبتعد، وتتعدد الزوايا واللقطات. وبالفعل، فها هي قد غابت، وهو يسائل الغيم عن جوانحها، غير أنّ الصوت المنبثق من أعماق سحيقةِ يسابق الذكرى: ذكرى اللقاء، للموعد الذي كان. وينقلب الحال، فبعد أن كان الحب يصنع القصائد، يتساءل الشاعر، الآن، عن أي قصيدة ستعيد موعدها، ومشكّكاً في ذلك.

يرخُصُ الحُبُّ ويغلو الشِّعر وتمر أيامُ اشتياقٍ يرخُص فيها الشِّعر من أجل الحُبّ.

«أي قصيدةٍ ستعيد موعدها؟!»: وتساؤل وتعجُّبْ.

بل شيء أعمق من ذلك «أيّ براعة ستضيءُ جمر الخوف والصّبوات». هذا التشكل العميق للذكرى خوف وصبوات تقف على حدّ الفجيعة، فجيعة الفقد، فهل يستطيع الشعر أن ينهض بذلك! هذا يطابق العنوان تماماً. إنها حالات العاشق، أَمّا أنه بحّارٌ فَمَجاز، فالبَحرُ بحرُ العشق والخوف والصبوات، وأمواجُه تعلو وتهبط وتضطّرب.

إن الحبَّ يفاجئُ العاشق ويستعر كالنار.

«اجعلني كخاتم على قلبِكَ لأن...

المحبّةَ.. قويّةٌ.. كالموت» (عشتار/ عن محمد الجزائري).

ويكاد يتصدع القول بالنقاط، وهذه هي الطريق لمزيد من الحديث عن العشق.

أو «الطريق الأساس للفهم هو:

أن تصير كالمحبوب» (كيركجور/ عن محمد الجزائري).

ربما هي فِتنةُ العذريّة التي يواجهنا بها الشاعر.

والمقطع التالي يكاد يؤكد ذلك:

«أذكرُها تجيء بثوبها الرّيفيّ،

يَعْمُر صَدْرَها أَلَقُ الأُنوثةِ،

تَستَفِزُّ أيائِلَ الغاباتِ

حين تطيرُ بين ظِلالِها

وتهزُّ جِذْعَ العُمْرِ،

تَسْقُط صورةٌ لربيِعها العُذْريّ،

أذكُرها تراقصُ موجةً

فَتَحَتْ ذراعَيْها كعاشقةٍ

أمام البحر».

يجيء التبعيد، هنا، من أنها ذكرى.

ثوبها الريفيّ يشير لبساطتها وعذريتّها، يعمرُ صدرَها ألقُ الأنوثة، وذلك ليس كثيراً على فتاةٍ ريفية. أما أيائل الغابات، في عادة مستفزَّة خاصة في مواسم التزاوج، غير أنّ الشاعر لا يقصد ذلك، أقصد صورة الذكور تتقاتل، إنما يقصد أنها تستفزّها بأنوثةٍ طاغيةٍ حتى في غير موسم التزاوج.

تطير بين ظلال الغابات: تخييلٌ واضح، والشاعر يرفعها إلى مقام الطير.

مقامُ الطيرِ أعلى بميزته التي يمتلكها، ولا نمتلكها، أي الطيران.

إنها، وهي تخطر حتى ولو في الذاكرة، تهزّ جذع العمر، وهذا هو محور القصيدة وصورتها الرئيسية. كأنَّ للعمرَ جِذْعاً هو عماده، وبه يقوم وهي تهزّه، إشارة إلى شمولية فِعْل العشق، وأنه ليس عاطفةً عابرة، وإنما له قوّةٌ سحريّةٌ ترجُّ جذر الحياة فينا، هو يذكرها في حركتها وخفّتها شيئاً من حيواتٍ رشيقة، تراقص الموج ثم تفتح ذراعيها للبحر عاشقةً له وللحياة. واختيرَ البحر لاتساعهِ ولما يَزْخُر به، فيجعله جِذْراً للحياة لما يمور في أحشائه.

إنما «لا تسقط صورةٌ لربيعها العذريّ، وإنما ربّما تتجلّى، تبرز، بربيعها العذريّ، وقد ذكر الشاعر العذرية لفظاً. هذه هي الصورة الأولى، والشاعر لوّنها باقترابه وابتعاده عنها، جعلها النار، وجعلها البساطة الآسرة، وبنت الطبيعة. أغلى الشعر ثم أغلى العشق، دار كلٌّ منهما حول الآخر وهما صنوان، والأول يجد مجالاً خَصْباً في الطّواف حول الآخر كحالة عميقة مؤثرة. إن العشق بحرٌ له أنواؤه، والشاعر بحّارٌ عاشقٌ وله حالاته.

«أذكُرها

تجفّفُ دمعها المَلَكيَّ،

عائدةً إلى عُذْرِيةِ الزّيتونِ

كيفَ أردُّ نبضَ القلبِ حين يَفيضُ رقراقاً إلى لُغَتي

فيأتَلِفُ الكَلام؟».

والعنوان يَنْحلُّ على أطرافِ مقاطع افتراضيّةٍ أشّرتُ على أطرافها، وكان لي مبررات واضحة لاختيار هذا التقطيع سأوضحها في النهاية.

تتكرر كلمة «أذكرها»، غير أن القصيدة توغل في التّخييل، إذ يراها ملكةً على عرش صنعه لها، وهذه عودة حقيقية ربما لأنّها فلّاحة، وليست أكثر من مجّرد صورة تخييل، لأنها تعود إلى شيءٍ افتراضيّ هو عذرية الزيتون. ترى من أين جاءت عذرية الزيتون؟ من أنه مُهَدَّد، ومن أنه مقدَّس، ومن أنّ فلّاحي فلسطين اعتمدوه غذاءً ودَخْلاً رئيسياً على مدى قرون، وبعض الزيتون روميّ كما يقال، وتأتي عُذريّتهُ من توحُّده وظلّه.

هي ريفيّةٌ فَرَدّها إلى أصلها، إلى الزيتون، وواضحٌ، الآن، أنَّ الشعر يتفجّر بسبب حالةِ الحب السائدة، أو بسبب الحالة السائدة عند البحّار العاشق.

نبض القلب حبُّ، وهو باكتماله وامتلائه يفيض، وقد تمثّل وتَجَوْهَر بنظرية الفَيْض، يفيض رقراقاً إلى لغتي، أي نبض القلب، الحب، يفيض ويتحول إلى شعر ولذا يأتلف الكلام، أي أنه ثنائية العشق قد حُلّت، فالنبض أو تعاظمه في حالة العشق يفجّر الشعر، ولغة الشاعر الشعر.

إنَّ العاشق لا ينجذِبُ إلاّ إلى المعشوق، «يَمَّمْتُ وجهي نحوَها»: ذِكر الوجه يشير للاهتمام على عكس إدارة الظهر،» وأضأتُ ليلَ قصيدتي من فَيْضِ نظرِتها، تصوير جديد لانبثاق الشعر من حالة العشق.

وينظر الشاعر إلى ذاته يروزها،» لكأنَّ بي عَطشُ التّرابِ لخطوِها»، أي يشتاق لإطلالتها، ولذا،» سمّيتُها عمري المُؤجّلَ، بَوْحَ ذاكرتي الخصيبة». عمره المؤجّل: كل ما بقي له على قيد الحياة، وهو أعزّ ما لديه، ومرة ثانية يعود للشعر. يحبها ويحب شِعْرَهُ فيها.

يحدث تبعيد بعد ذلك، ربما مرَّ زمن أطول، غاب فيه ولم يعد يراها، غير أنَّ نار الذكرى استعرت، وأراد أن يعوّض عن إطلالتها بشدة شوقه إليها.

«كُلّما جفَّ السّحابُ رأَيتْنُي مطراً على شُبّاكِها

مطراً يُدَغْدِغُ حُلمَها بفراشِ أغنيتي

ويمسَحُ صورَة الجُرْحِ القديمِ على الضّفاف».

يتمنّى أن يكون مَطَراً على شبّاكها، غير أن عبارة» كلما جفَّ السحاب» تعني أنه لم يعد يراها. وإلّا فكيف يجفُّ السّحاب وينزل المطر؟

إنه يعِوّضُ غيابَها بحرارةِ الذكرى.

مطر يذكّرها بشعره فيها

والجرح جرحهما معاً وقد افترقا.

«هو ذا فضاء قصيدتي:

صوتي الذي يمتدُّ من وجَعي إلى زمنِ البِشارةِ

حاملاً لُغَةَ البَكارةِ

كُلَّما خَلَعَتْ ظِباءُ الحيّ نَصْلَ الخوفِ عن وَجْناتِها

أدرَكْتُ أنكِ سوسنُ العُمرِ الذي يلتفُّ حولَ أصابِعي

ويُعيدني لبَراءتي الأولى

لعُشْبِ صلاتَي الأولى

وداليةٍ يراقِصُها خُشوع النايْ».

له الذكرى وله الشِعّر، والشِعّر هو صوته، والشِعّر سحرٌ يجسر الهوّة بين واقعه وهو يفتقدها، وذلك سبب وجعه. أمّا البشارة فهي أملٌ بأن يلقاها.

إنّ الشعر عمادهُ، شهادتُه التي يرفعها إليها معلناً حبّه.

لغةُ البَكارة هي الشّعر، وبكارَتُهُ جاءت من أنه لم يكتب شعراً في غيرها. كلما رأى غيرَها أدرك أنه لا يحبُّ سواها، ولا يلتفت إلى غيرها. أدرك أنها زهرةُ حياته وأن حبها لا يغادره بل يمتزج بحياته، «يلتف حول أصابعي». حبُّها يطهّرهُ ويعيدهُ لبراءة أولى.

حسيّاتٌ أولى طريّةٌ بطراوةِ الحب: «لعشب صلاتي الأولى». وفي ذلك خشوعٌ وتقديس. ثم الصورة اللافتة، التي تمثل سر هذه العلاقة: «ودالية يراقصها خشوع الناي». هي الداليةُ تَذْخُر ثمراً، تَذْخُر خيراً، ووعداً بأن يأتي منها. وهو الناي بشَجَنه وَوَجَعه. والناي صورةٌ للوجع، والحزنُ وامتداد هذا الوجع.

تبعيدٌ آخر جديدٌ وهو الآن يعدِّد:

«كم قلتُ وجهُكِ مُبْتَغايْ

كم قلت: أَكتبُ

ثم تسبِقُني خُطايْ

هل قلتُ شيئاً غيرَ ما لَفَظَتْهُ أنفاسي

أمامَ البحرِ».

كم قلتُ: يذكر خِصالها ويستحضر وجهَها، غايته ومطلبه.

الحبُّ عندَهُ يسبِق الشِعّر، فهو وليده، ولا يستطيع أن يعكسَ المسألة، أو أنَّ الشِّعر لا يُغْني عن حضورها، وهي مَنبع الشِّعر. والسّطرانِ الأخيرانِ، وهما سطر واحد، بدايةُ عودة للمشهديّة الأولى، أمام البحر على الشاطئ.

انبجسَ الغناءُ نفسه، وهو الشِّعر يحتَدِمُ بحضورِ المحبوب. يذكّرها بما كان بالمشهديّة الأولى، رَمَى شعرها بالسّمكِ المُلوَّن، أي كان بينهما لَعبٌ ومَرَح.

«أم أَرَقْتُ مساءَكِ الطَّلَليَّ

فوقَ يباب صِدري».

يأتي هذان السطران من بعيد كخلاصة، والشكُّ يخامِرُه.

«أم أرَقْتُ مساءك الطَّلَليّ»، أي أنت الفتاةُ التي يقال فيكِ الشِّعر، كما قيل في الأطلال. ربّما شبابها على يبابِ صدر الشاعر، وشيمةُ الشعراء الفِقْدُ والخسارة. ومن هنا يأتي الحديث على الرجالِ الجوف، على اليباب. وقد دمَّر «إليوت» العبارةَ بشعرهِ الذي تُرْجِمَ، وكان حقاً للشاعر العربي أن يحسَّ لنفسهِ وبنفسه الخسارة ويبابَ روحه.

إنَّها مرارةُ الفَقْد، ويبابُ صدره جاء من فَقْدِها، هي التي كانت تَعمُر حياته. والمقطع الأخير إعادة. أما السّطرانِ الأخيرانِ: فيعزّي فيهما الشاعر نفسَه، إنَّ الشِّعر بكل امتلائه، لا يعوِّض الخسارة، هي كانت منبعُ الشِّعر عنده.

يملك عبد الناصر صالح هذه الغنائية التي استمرَّ يغذّيها بصدقه وأصالته لمّدةٍ تزيد على عِقدَيْن، وهو فيها يُبدع، ويسكبُ ذوب روحهِ، ومع ذلك فقد آن له أن يُطِلَّ عل آفاقٍ جديدةٍ في عالم الشعر، وله من رصيدهِ ما يمكّنُه من ذلك.

لقد اعتمدَ طريقَ التصوير، ولديه صورٌ تنهض بمضامينه وتُبْهِر.

«داليةٌ يراقِصُها خُشوع النّاي»

ثمَّ:

«عُشْبُ صلاتَي الأولى».

ثمَّ:

«سوسنُ العمرِ الذي يلتفُّ حول أصابعي».

وكلّها حسيّاتٌ تنتهي إلى تركيب يباعد بينها وبين المباشرة، ويفتح الباب على التجريد. وبتقليب القصيدة من جديد نَقَعُ على صور أخرى عديدة.

«تُجَفِّفُ دمعَها المَلَكيَّ/ عائدةً إلى عُذْرِيّةِ الزيتون» وما تطلبته هذه الصورة من تأويل.

وقد صَّورَ الحُبّ في احتدامهِ وصوّرَهُ كذكرى لا تَبْهَتُ رغم مرورِ الزّمن، وإن تغيّرَتِ المواقع التي كان ينطلقُ منها إلى معاودةِ ذكرِها، وهي التي حدّدت تقسيمَ القصيدة إلى مقاطع.

وصفَ البحرَ على نحوٍ موضوعيّ لا علاقة له بمشاعر الشاعر. المشهديّة على الشاطئ.

الشاعر، وهو يشم الرائحة وَيلْتاع، وذلك بمثل دخوله إلى القصيدة مُعْلِناً حبَّه.

ما يطرأ على الشمس من تغييرٍ يتوهمه حتى مطرِ الجدائل.

المقطع الذي يبدأ بـِ «كنت».

المقطع الذي يبدأ بـِ«أذكرها». كنت تشير إلى فعلٍ ولو بالماضي. أذكرها ذكرى بعد أن توقّف حضورُها وبقيت الذكرى.

أذكرها بتبعيدٍ أكبر. كلما جفَّ السحاب: تبعيد أكبر، وهو مقطعٌ طويلٌ يمتدُّ حتى «كم قلت» ثم العودة إلى مشهديّة البحر.

أي عشرة مقاطع اصطلاحاً، وفعلاً قامت به القراءة نيابةً عن الشاعر.

إن عملية الاقتراب والابتعاد هي التي أنتجت الدلالات ما بين:

«وبراعم الرمّانِ في دمها المؤلَّه» كقمة احتدام واحتشاد، وبين «كم قلت». ولم يَسِر الاقتراب والابتعاد باضّطرادٍ إلى أمام، أي اقترابٌ في البداية وابتعادٌ منتظم وراء ذلك. حدث ذلك، لكن رافقِهُ اقترابٌ وابتعادٌ داخل كلّ مقطع. فلم تكن العلاقة علاقة جسدٍ بجسد، وإنّما روحُه تعلّقت بها، وذلك وحدَه ُيُنتج الشِّعر. لقد ظلَّ الشاعر حارساً لحبِّه وحلمهِ، فَرِحٌ بفرحها وشبابها، بحبِّها له غيّر طقوسَ الكون كَلّه، الشمس خَرَجَتْ عن طبيعتها وأسرَعت، العشاق كلُّهم وقفوا على باب الشاعر ينتظرونَ أن يعطيَهُم إشارة البدء بطقسهم ?هو طقسُ الجنون. يدخل الغيم والطير والموج والتراب والعشب، أشياءُ الطبيعة الأولى، لإتمام المشاهد. أقول مشاهد، لأن الصُّورَ، في معظمها، بصريّة. حتى في الصور المُرَكّبَة، كان يمكن تخيّل ذلك بصرّياً.

داليةٌ ويقف أمامَها عاشقٌ يَعزِف.

لم يكن هناك حاجة لنَبْرٍ بصريّ، ذلك غير معروف، هنا، عند شعرائنا، ثم إن كثرة الصور البَصَريّة تجعل القصيد كلها تقعُ في الدائرة نفسها. والإيقاع يتبع المعنى، وهو الذي نتج عن عملية الاقتراب والابتعاد بأن واكَبَها، أو أنه، وهو الخَفِيّ، يمكن أن يكون ساهم في إنتاجها.

عمليةُ الاقتراب والابتعاد كانت وراء التقسيم إلى مقاطع، وراء المعنى والإيقاع، إنها الآلية التي تشّكلت بها القصيدة.

إن ذلك يكشف عن التجاذب بين الإيهامِ بالجنس، والعلاقةِ العُذْرِيّةِ، التي تصنع الذكرى وتصنع الشِّعر، والتي أرادها الشاعر، وقد كانت وراء قضية الاقتراب والابتعاد.

لم يكن وداعاً، ولو كان، كان مثل وداع إوَّزتَيْنِ برّيئَتينِ مهاجِرَتَيْنِ، والبحرُ، نفسه، توهجَ ناراً، كانت أعشاب صلاة ولم تكن هناك أعشابُ نسيان.

• تلقّى «الرأي الثقافي» هذه الدراسة قبيل رحيل الناقد صبحي شحروري (10 شباط 2019)، وقد نشر الملحق قصيدة «حكايات البحّار العاشق» التي تتناولها هذه الدراسة، بتاريخ 20 نيسان 2019.