أحمد الشيخاوي

تصوغ الكاتبة السورية ملك اليمامة القاري، نصوصها بحسّ الأنثوي المتوهّج، إضافة إلى كونها تتقن، في خطابها السردي الرّشيق، المزج ما بين تفاصيل الواقع ومعطيات المتخيل.

كما نلفيها تبني عوالمها القصصية على أساس إنساني صرف، لا يخلو من الملمح الصوفي، ينبثق ليناهض أيديولوجيات تفخيخ العالم بمنظومة معاني الدمار، مجهضاً بالتالي لغة القلب، إذا شئنا، ومتلاعبا بمصائر الشعوب وآلامها وأحلامها.

ورغم كون العتبة التي أطلقتها المؤلفة على مجموعتها «تاء التأنيث الساخنة» (الآن ناشرون وموزعون، 2019) تنمّ عن نباهة حروفية، أو ما يشبه شقلبة معجمية، فإن الغرض منها ليس التلاعب بالكلام، بل الاحتماء بأفق تعبيري باتجاه اللامحدود واللانهائي، لتوليد معاني الجدة والمغايرة، والاشتغال في أبعاد تناسلاتها التي قد تفتح النص على تلاوين جمة في القراءة والتأويل.

هذا ما تؤكده محطات نصّية وافرة ومتناثرة، تتكتّم عنها ألوان ما ورائيات هذه السردية الباذخة، المنذورة لتجليات الأنثوي، عبر عزف سيمفونية الفرادة نكايةً في شائع الثقافات المحافظة الراعية للصوت الذكوري الجائر، في أقصى هيمنة فحولته الزائفة.

من نص «قمقم الروح» في المجموعة، نقرأ: «الذاكرة امرأة لعوب، أو زوجة خائنة. والذكريات روائح شاردة تقتفي أثرها في الهواء، فتختفي بين العطور. زواري كثُر، ومع كل زائر يفد إليّ، أحظى بنزهة في الماضي البعيد. يفرك الضيف بوجهه صفحة الذاكرة، أتخبّط من غبار الوجوه المتلاحقة، أرغب بالعطس، فأخرج من القمقم وأنطلق سارحا في رحلة الذكريات، أشمّ وجوها طازجة، أبحث عن وجه يطابق ما يخترق نافذتي من صور وأصوات، وفي كل مرّة، أجد صورا جديدة» (ص51).

إن الكتابة هنا مبطّنة بحسّ الانتماء، مزدانة بهواجس إبراز قوته وصبيبه الغزير في شرايين هذه الفسيفساء الآسرة. وتتأنق قصص القاري بمثل هذه الاندفاعة الحروفية، لكأنما تتقصّد التباهي بدينامية الرؤى التي تترعها، في رجّ خامد الأدبيات المنتسبة إلى هذا الجنس الأدبي/ القصة.

ففي القصص، نجد التهاب الأنثوي الذي يرعى ليل المعنى، ولا يتعرّى إلّا بعد تكرير الانتهاكات ومعاودة فض الأنساق. ومن أجواء المجموعة أيضاً الاقتباس التالي من قصة «لعبة»:

«احتضنت طفلتي المتألمة وهي تفرك بيدها موضع ألمها، حاولت سحب الدمية منها، لكنها ازدادت تشبثا بها. فحضنتهما معا» (ص18).

تشاكس المبدعة هنا بطاقة هائلة في امتلاك ناصية اللغة، وتتمتّع بقدرة كافية على تطويع المفردات، وتسخيرها للثيمة المركزية، الواشية بها ضمنية مفاتيح القص، بحيث تنتقي مفرداتها بعناية ودقة بالغة، فلا هي تقع في الحشو ولا تتورط في فخّ الزوائد ولا تلجأ إلى الشحّ اللغوي الذي يقود إلى ركاكة في الأسلوبية وتشويه الدالّ. وهي تحرص على إدراج ما هو هش وقابل للكسر من الأحاسيس، بخاصة وهي تقارب عبر الأحداث والمواقف، جملة ضاغطة ولاهثة من الأوبئة المجتمعية والثقافية والسياسية.

وربما يكون إطلاق الأحكام هو الهفوة الوحيدة للكاتبة كما تشي هذه النصوص، وهو ما يمكن تجنبه في القادم من تجارب. فالأجدر أن تتبنى القاصة مساحات كافية للاختزال والتكثيف، كأن تقنّن عملية الوصف بوصفها رصدا أو التقاطا بصريا ناجحا، لدقّ التفاصيل في فصول الواقعي وحيثياته.

وتطرح المؤلفة قضية «اللاوطن» كما في الاقتباس التالي من نص «عودة»:

«لكن غصّة جارحة صفّدت فرحته بالرجوع، حيث تراءى له شبح قديم لصورة أبيه، يدفع ثمن قصائد ابنه الجريئة، عندما وظفت السلطات اعتقاله، كطُعم للحصول على الشاعر سليط اللسان. وحين لم يجذب الطعمُ صاحبَ القصائد، لم يعد الأب إلى بيته أبدا» (ص8).

تلكم كتابة الرشق بفلسفة قضية «اللاوطن» أو ما يعادل «مسرح الخراب» على حدّ تعبير لسان صاحبة المنجَز، ملك اليمامة القاري.

نقتبس من قصة «خطيئة»: «غذّى مجيئُه جرحها القديم، فانبثقت ذكرياتها المؤلمة، حين خطف والدها العود من بين يديها، وظل يضربها به، إلى أن تكسّرت أضلاعه عليها، وانحنت أوتاره المشدودة، فتقوّست على معصميها. تسلّمت عودها الغافي في حجرها، وانتقلت بعينيها إلى زوجها، واقفا بالباب أمامها، يرى زوجته تحتضن عودا، وتعزف لحنا في منزله» (ص70).

هنا تثوير النفس الملحمي، على إيقاع متمرد ورافض، اقتضاه سياقُ نبذ المماطلات الأيديولوجية، في رفع الوصاية عن أحلام الجيل المشروعة، وفق تمثل رسمي يشخّصه الأب السلطوي الدوغمائي الذي لا يأبه لمشاعر مَن هم تحت مسؤوليته.

ويمكن القول إننا إزاء لعبة سردية محبوكة، مبنى ومعنى، مكشوفة العروض والمسرحة الأدائية، تفسح لصولة شخوص تبارز أقنعتها، تؤرقها وتربكها أسئلةُ العصر. كثرٌ هم، هؤلاء الأبطال المزيّفون، مثلما هم ملزمون بشكل أو بآخر في تفجير سيرهم، بتنويع ما يواريهم ويعتّم على سلبيات العالم ونقصه، بهم وفيهم، ومن ثمّ يمنحهم صفة الأشباح، هنا/ هنالك، حضورا وغيابا، على نطاق محاكاة وتوازٍ.. يتزركشون بأقنعة للتضارب والتشاكل والتقاطع، من مستوى رمزية رأس الهرم الحكائي، عبر ما هو هامشي، نزوعا صوب الخبايا والأسرار والمتون.

شاعر وناقد مغربي