جعفر العقيلي

بعيداً عن النظرة المتداوَلة للبنفسج على أنه باعثُ الأريج من أزهاره العطريّة، تقدّم الفنانة رولا حمدي مقترَحها الجمالي في معرضها الذي يقام على جاليري الدغليس وهي تعاين تحوّلاتِ هذا الكائنَ الحيَّ المعروف بأوراقَه قلبيّة الشكل، والمعمّر طويلاً صانعاً أسطورتَه في تمجيد الجمال والتوق إلى الخلود.

تعنون حمدي معرضها بـ«بنفسج مرتبك»؛ وهو ما يحيلنا إلى المعنى الضدّ للمتداوَل والمألوف؛ ففي العادة يكون البنفسج مصدراً للإرباك، وذلك حين يمتدّ تأثيرُه إلى ما/ مَن حوله ليوقعه في شِباك المشاعر الحَيِيّة. لكن الفنانة هنا أرادته هو الآخر كائناً مفرطَ الحساسية في مملكة الطبيعة! وقد منحته فرادته بتجنّب اللون الأحمر ومشتقاته الحارّة المحيلة إلى العاطفة المتوهجة، والاكتفاء بالأزرق وتدرّجاته الباردة التي كأنما يتوارى خلفَها غليانٌ ينتظر الفرصةَ ليعلنَ عن نفسه ويفرض وجوده.

هوذا حالُ البنفسج حين يتّخذ صورة امرأة. امرأة مكرّرة. امرأة مستنسَخة. امرأةٌ هي كنايةٌ عن جميع نساء الأرض منذ بدء الخليقة وجدليةِ العلاقة مع آدم بعد حكاية التفاحة.

هوذا حالُ البنفسج وهو يتشكّل على هيئة قارورة عطر تُنعش الأنفاس، متخذاً دور البطولة في مشهد التجاذب؛ هناك حيث المرأةُ/ الأنثى منجمُ الأسرار والنواةُ التي تدور في أفلاكها الإلكتروناتُ مشحونةً بانتظارِ الخلاص وتوّاقةً إلى لحظةِ الاندماج والتعادُل الكيميائيّ وصولاً إلى الاستكانة والإزهار.

في لوحات رولا حمدي هذه الفيوض وأكثر. فيها وعيُ المرأة لكيانها وكينونتها، واعتزازها بكونها مرادفاً للخصب والعطاء والحياة. وفي اللوحات ذات المنحى التجريدي ما يؤشّر على جبروت المرأة، ورغبتها في مضاهاة شريكها في الإنسانية، ورفضها الانصياع لمحدّداته واشتراطاته. فكلاهما -الرجل والمرأة- يكتمل بوجود الآخر، شرط أن يحترم ما للآخر من دَورٍ ووظيفةٍ ومساحة، فلا يتجاوز حدّه ولا يتسلّط.

لهذا، لم تلقِ الفنانة بالاً لملامح الوجوه في لوحاتها، فهذه محضُ تفاصيل تنتمي إلى المظهر/ السطح. إنها عوضاً عن ذلك تغوص عميقاً حيث عالم المشاعر المخبوءة والمسكوت عنها، متحفّزةً لتُطلق هذه المشاعر في براري اللون واللغة والتعبير، مستعينةً بمخيالٍ ثَرّ تصيغ مفرداته بخفّة ساحر استجابةً لنداء الفن الذي يعلو بنا ويذكّرنا بأنّ في آخر النفق ثمةَ ضوءاً ينتظرنا إن نحن أخْلصنا لإنسانيتنا.