فاطمة بلغيث معتوق

لم تملّ التشكيلية التونسية سناء جمالي عماري من تشكيل وجوه من الطّين المزجّج، فمنذ تخصّصها في العمل الخزفي في إطاره الأكاديمي وهي تصنع المفاهيم من خلال وجوه لا تتشابه، لكنّها تتواعد وتتثاقف دون هوادة.. وجوه كالأقنعة تشبه كلّ البشر إلّا الفنانة التي شكّلتها.

وتذكّرنا عماري بالفنانة المفاهيمية «بربارة كروجر» التي تجمع في أعمالها بين الصورة والتصميم وتنحو من خلالها إلى محو الفروقات المهنية بين العمل النسوي والعمل الذكوري. وتركز عماري على البنى التحتية التشكيلية المتعلّقة بالتقنية واللون ونظريات التداعي الحر الذي يصوّره لنا المنحى السيكولوجي بوصفه يستحث أحلام اليقظة التي تعدّ وسيلة للخلق الفني.

ولئن نحت الفنانة نحو تبيان قسمات الوجوه التي سمّتها «أقنعة»، إلّا أنّنا نكتشف أنّها لا تنحاز لتوضيح جنس القناع؛ ذكراً أكان أم أنثى، أم بين البين هجيناً لا ينجب المعنى. هي سمّتها «أقنعة» تخفي ما لا تضمر، وتطمس النور والظلمة معا، بينما لمحتها كتلة من الدلالات الغامضة التي تشترط التأمل والفهم وتحريك نعراتها الجندرية وخاصّة إذ تكرّرت الوجوه وتكاثرت متشابهة أو ربما مختلفة في الأثر الواحد. تبدو الوجوه/ الأقنعة، التي تصنعها هذه الفنانة، صامتة، غارقة في مفاهيمها التي تكسو قشرة الوجه والألوان الممزوجة بمعدن النار، ?هي معادلة تتطلّب النظر فيها بعين البصيرة.

لماذا هذا التجنّي على المعنى؟ قناع وجه وصورة بألف دلالة؟ وهو معنى سيتناقض بعد حين طوعا.

لماذا التناقض إذن؟ ربّما لأنّي أتفهّم جيّدا شيطنة الفنان والمبدع، فهو كثير الحركة والسّؤال، لا يملّ من حرق أقنعة الزيف ليوهم نفسه بتحصيل القيم الجمالية التشكيلية. الأقنعة يبلّلها بِطاقاته المتهوّرة/ الواعية، فيدور حوله في اليوم أميالا ليفهم العالم والكواكب والنّاس من حوله ويصنع وجوها كثيرة، وحين لا يصل للحكمة/ الحقيقة –الوهم- فإنّه يحرق جميع الأفكار والفلسفات الفنية ويصنع منها كائنا غريبا يحيّر المتتبع لخطواته.

وجوه عماري الخزفية تتغامز، تتنابز، وتتسامر بلغة غريبة لا تفهمها إلّا صاحبة الفكرة والأنا الكاتبة ما دمت بصدد قراءة قسمات لونها وشكلها بعد أن احترق الكلّ مع الكلّ وصارت الوجوه تبتسم كالعذارى التي يتخبّأ في جيدها سرّ الوجود الملطّخ بالطين والمطعّم بروح التفاح الأحمر القاني رمز الخطايا الأولى والثانية والثالثة.

فمنذ بدايات تشكل الوجوه، مرورا بموعد زخرفتها بالألوان إلى حدود شويها في الفرن ثم عرضها في رواق أو متحف أو صالون للفنون التشكيلية المعاصرة.. لا تنفكّ الوجوه تبحث عن هوية فتتلوّن معها الصورة والدلالة الحقيقية للوجه، ويضيع الكلّ في مسارب الهويّة، فيعطي الّلون الواحد مئة قناع وألف دلالة. يقول محمد محسن الزارعي في كتابه «القصدية والإبداع.. مقاربات للصورة الإبداعية»: «إنّ اللون له دلالة مزدوجة، أو هي ترابط بين وجهين، ذاتي وموضوعي، أوّلها ما نراه على اللوحة من لون، وهو انطباع وهمي، في حين أنّ حقيقة اللون هي انطبا? ذاتي يشكّل ماهيته، ومعانيه الباطنية والروحية».. وتقول التشكيلية سناء عماري: «غالبا ما أتعامل مع الخزف المزجَّج كما هو الحال مع الألوان».. وأقول: «ليس للفنون التشكيلية هوية، بل يوجد تسرّب هوية شكلية تُفرض علينا وهو الإحساس بالهوية».

إنها وجوه تتشكّل تحت أمر أصابع امرأة فتطاوع غير مقاومة كما تقاوم الفنانة نفسها حالة الإبداع التي تأتي الفنان من غير مواعيد. وكأنّ الأقنعة اشتهت تلك الأصابع وتمنّت أن تتحسّس جنسها الحقيقي. سميتها «وجوهاً» لأنّي كنت أسمع صمتها متى بدأتُ أعبر نحوها وأبتسم فتردّ الابتسام لي دون شروط. وإذ يعلو صوتها أحيانا فتجدها تتطاول ممدودة الأنوف منتفخة الأفواه طويلة الوجه صارخة، أسدل عنها الستار وأعدل عنها ثم أتركها تواجه حركة جسد الفنانة بلا حيل ولا قوة. إنه كيد المرأة المبدعة إذ تلامس الطين فتحرقه قبل النار، تثيره ولن يث?رها بل يطاوعها مكفهرا قانطا.

إنّ طبيعة هذا النص من ناحية، والممارسة الخزفية للفنانة من ناحية أخرى، لا تقصيان الانطلاق من حقل فلسفي هو أيضا من الحقول التجريبية كالفنون المعاصرة. وهي نوع من الفنون التي تموقعت في زمن الديجتال وعصر الجري والسرعة المتعولمة. سنحاول تكشّف المادة الطينية مادة الخلق الأولى، ونتفحّص علاقتها بعملية تطعيمها بمفاهيم هجينة وليس بمواد هجينة على المواد الخزفية هذه المرة. والتطعيم هو تقنية مزاوجة خامات تعود إلى الفن السومري، ويُعرف في الفنون الإسلامية كونه أسلوبا من أساليب زخرفة الخشب، حيث كانت زخرفة القطع الخشبية مطع?ة بأشكال نباتية وهندسية تباعا للأعمال الفنية التي انتشرت في بلدان الشرق القديم.

وقد لاحظت تعمّد الفنانة سناء عماري تطعيمها للأقنعة بمفاهيم وليس بمواد، فهي تعتمد على الطين كمادة ولم تمزجه سوى بلون ونار. وإنّي أحسب أنّ فلسفة انكماش وتقلّص الطين أثناء التجفيف ضرورة أطلّ بها عمّا هو غير موجود، عن الخفي، الذي تضمره هذه الفنّانة -القائلة: «حجارتي تضحك لي» - قبل الحرق وبعده. وكأنّنا بالفنانة تتشفّى كيدا في الطين الذي تحوّله لحجارة تضحك بفعل الحرق الموجع المؤلم، وحين تتشكل الضحكة بفعل الاحتراق داخل فرن فهي بالتأكيد مسيطَر عليها ولا حول ولا قوة لها، فذات هذه الوجوه وموضوعها بيد الفنانة نفسها. ?إذ حدث وتصدّعت أو تشققت تجاعيد وجهها وقت عملية الإفخار، فإنها ستظل مطاوعة لمشروع البحث التجريبي، ولا يقوم التجريب الفني على اليقين بل على التخمين والحجة الافتراضية.

وتعدّ تقاسيم أقنعة سناء عماري بمثابة ضرورة الإيمان بوجود حقيقة مختلفة لا تشابه الأشياء ولا تحاكي أيّ نموذج خارجي ولا تصطنع خيالا إبداعيا تعبيريا محدّدا سلفا.

وهنا يُستعان بالبحث التجريبي.. تلك المرحلة التي يتلمس من خلالها المبدع فكرة جنينيّة عذراء وهي تتحوّل تدريجيا إلى بداية تصوّر منهج فلسفي، علما أنّ المغامرة التشكيليّة لا يمكن أن تكون في بداياتها واضحة في ذهنه في كلّ الأحوال، وإنّما تنتظر الإثارة والاستثارة ومن بعدهما التحقيق والإنجاز. وما التجريب إلّا بداية لتلمّس فكرة، وهذه العملية كذلك بمثابة «المرحلة المبكرة من مراحل الإلهام كما عند الشاعر مثلا، فهي مثيرة جدّا، خافية عن النقد. وهي مرحلة الصراع الصامت الذي يخوضه الشاعر مع نفسه، وهي أيضا مرحلة الحدود الغام?ة وتقليب الأفكار في عقله» كما يقول «هربرت ريد» في كتابه «الفن الآن.. مقدمة في نظرية التصوير والنحت الحديثين».

لا تبدو وجوه هذه الفنّانة بديعةً جميلة تفتح مسام النفس التي تتوق إلى الجمال البصري. وتدعوني الأقنعة كلّما لمحتها والتجأت إليها للتفلسف والفلسفة، وإذ قلبتها على قفاها بإلحاح اكتشفت مزيدا من جانب بصري خفي، يتخفّى من الآخر، يهرب من نفسه ويلتجئ لأجسادنا التي تقتات على الفن المعاصر الذي لا جنس له.

وأخيراً، ماذا يفعل جنس النساء من الفنانات حين يقع في داموس الشيطنة الإبداعية ويهيم بسلطة القيم التقنية التشكيلية وهو بقرب الفرن يشتعل والأقنعة بين يديه تنتظر ترصيفها فوق النيران وتحتها؟

إمّا أنّ الفنانة تعلّقها بين الأرض والسماء حيث لا يوجد برزخ ونار. وإمّا أنّها تحكم غلقها داخل قارورة، فيصير المعنى الفلسفي بمثابة الصخر الذي يبتسم لنا لأنّه هو بدوره لم يتكلّم يوما بمنطق الحقيقة والحكمة التي وصفوه بها فقالوا إنّ الفلسفة هي البحث عن الحكمة والحقيقة.