كتب: خالد قوقزة

في حاراتنا المنسية حيث البركة والخير الوفير، وحيث الأراضين، كانت وكأنها لوحة مرسومة بريشة فنان، فالسهول مزينة بالسنابل الذهبية، سنابل القمح والشعير، وبأكواز الذرة الشامية، وبأجراس العدس والقطانة، ايام اعتمادنا على ذاتنا بكل شيء. نأكل مما نزرع ونلبس مما ننسج، ايام لا عولمة فيها ولا اقتصاد مدين مستعمِر، تلك العولمة التي ألزمتنا ان نهجر حقول القمح ونزرعها بالاشجار والبنايات الشاهقات، وننتظر فيها دعم الخبز من الحكومات.

ابو فلاح وبعد طول وقت اكمل حصيدة الحقلة، وقد ساعدته عُونة قرايبه وجيرانه على ان يُنهي الحصيدة. فكانت الحقلة مرجودة بالغُمُور وكأنها أكباش من الغنم، فالسنة كانت إغلال، وكما يقول المثل (كل ما طالت بتلُم غُمُور)، عدا ان الله سبحانه وتعالى طرح البركة بهالحقلة، فالطيور كان لها حُصّة، والنمل كان له حُصّة والجيران والقرايب والحبايب وصلتهم مونتهم من الفريچة (الفريكة).

يقول ابو فلاح لاولاده ومرَته :- راح الكثير وما ظل غير القليل والقليل ايضا ليس ببسيط. يقوم ابو فلاح بالتحضير للتغمير ورِجادة القش للبيدر، ويقوم بتوزيع الأدوار على اولاده لإنهاء هذه المرحلة من منطلق... الحمل اذا تفرّق ينشال.

يابه يا مفلح انت وفالح الله يعينكوا بكرة على البَراد بتروحوا على الرُقّة (مكان مستو من الصخر) وبتقشوه من الصرار (الحجارة الصغيرة) مشان بيدر القش ولا تنسوا تحطّوا سياج على الجهة الشرقية من الغَرُف وشوية دَبِش مشان يقضَب التبن وما يطير يوم التذراية. وانت يافلاح بتوخذ القادم من العقدِة وبتوخذ أفليح وفليحان مشان تبلشوا بالتغمير والرجادة، ابوي شدوا حالكوا ولا تتونوا بدنا نخلص بدري.

بعد ثلاثة ايام رَجَدوا القش على الرُقّة، وصَبّروه على البيدر (طبعا هناك بيادر غيره على الرُقّة).وتركوه اسبوع زمان وكل يوم كانوا يقوموا بتقليب القش بالشواعيب مشان تضربهن الشمس.

يوم الدراس فزعوا كل دار ابو فلاح صغيرهم قبل كبيرهم واخذوا الفدان (جوز من البقر) ولوح الدراس بعد ما عبوه بأحجار سوداء قاسية جابهن عودة من شرق المفرق. بالطبع ام فلاح وچناينها قصّلن وأخذن حاجتهن من القصل. وركّب ابو فلاح اللوح على الفدان ومسك المنساس ونَهَر الفذان بقول حوووه. وبلش يدُور على القش وأولاد أولاده قاعدين على اللوح تغمرهم السعادة وكأنهم راكبين بطيارة، وفلاح ومفلح وفالح كل واحد شاعوبه بإيده يقلّب بالقش، وام فلاح وچناتها بظلّة السنديانة يعملن شاي على الحطب وبحضّرن بحوسة بندورة مع فليفلة خضرا على النُقرة.

بعد الغدا أخذوا غفوة قليلة وبعدها قاموا وكملوا الدراس حسب الأصول. وصبّروا اللي درسوه مشان يبلشوا التذراية.

اليوم الثاني جمعوا شوالات خط احمر وازرق للقمح وخيشات للتبن والصاع. ومع هبِّة الهوا بلّش ابو فلاح ومقابله أبنه فلاح وكل واحد بأيده مذراه ويذرّوا وأستغلوا فرصة الليل بالتذراية، وقبل الفجر بشويّه كملوا فصل التبن عن القمح، وصبّار القمح طلغ أصفر بلالي والتبن ماله والي. وكان ابو فلاح يحدي لما كان يذري ويقول :

هب الهوى يا ياسين.. يا عذاب الدرّاسين

يا عذابي معاهم.... ضو القمر طالعهم

يا حمرا يا لواحة.... لونك لون التفاحة

مذراتي ودّي وهاتي.. وعبّي عباتي لوليداتي

وبعد هالجهد المضني تبدأ عملية الغربلة وبعدها تبدأ عملية تعبئة الشوالات بالقمح، ويكون ذلك بالصاع، وأول صاع يكون صاع الفاتحة، وهو ما يُمنح للصغار ليبدلوه بحلاوة وراحة وجعيجبان ومخشرم من دكانة ابو عيسى. وبعدها يبدأ الكيل بالصاع والعد لحد اثني عشر صاعا ويكون العد كالتالي :

الله واحد، مالو ثاني، ثلاث البركة، الربح من الله، خمسة، سترك يالله، السماح من الله، بالله الامانة، تسعه ياللي تصلي عالنبي، عشرة رسول الله، يا هادي،بركة من الله.. وكل شوال يتم تعبئته يقوم فالح بتخييطه بخيط مصّيص بالمسلّة، ويوضع في مكان مخصص تمهيدا لنقله. وبعد الانتهاء من القمح يتم تعبئة التبن بالخيشات لنقلها الى التبّان. وما بقي من حبوب (القْراقرَة) يتم تعبئتها بشوال خاص مشان علف للجاجات...

قبل ما يدخل القمح للدار يكون ابو فلاح قد اخرج زكاته المقررة، ويتم بيع الزائد، والباقي يعملوا قسم منه سليقة مشان البرغل وقلية مع إقريش ويطحنوا بعضه في المطحنة وبعضه يحفظ مشان إبذار الموسم القادم والباقي يحفظ في الكواير مونة السنة.

الله يرحمك من زمان كانت البركة هي السمة المميزة لك، وكان ابو فلاح إنموذجاً من نماذج مجتمع اتصف بالحب والمودة والارتباط بالأرض التي كانت كالعرض.