للحرّية أعداءٌ كنْر لا يكادون يُحْصَوْنَ كثرةً، وقد استقرّ في أذهان كثير من الناس أنّ الاستعمار والاستبداد هما العدوّان الأوّلان للحريّة، وفي رأيي أنّهما العدوّان الأخيران وأنّ ثمّة أعداءً للحرّية أشدّ وطأة من الاستعمار والاستبداد، لأنّ الاستعمار يمكن مقاومته والاستبداد يمكن الثورة عليه، أمّا الأعداء الآخرون للحرّية فهم يعيشون في داخل العقول والقلوب ويصعب التغلب عليهم إلاّ بعد جُهْدٍ عسير.

ومن هؤلاء الأعداء العادات الشخصية التي يدمن عليها المرء ويصعب عليه أن يتحرّر منها، فمثل هذه العادات تشكّل عائقاً كبيراً أمام حرّية الشخص وتحقيق طموحاته. وكذا يقال عن بعض العادات الاجتماعية التي قد تلزم المرء بما لا يقدر عليه أو يستطيعه، وذلك بعض القناعات والاعتقادات التي تحدّ من تحقيق الأحلام والتطلّعات، يضاف إلى ذلك المرض والعجز والكسل والفقر وتمكّن الخوف والقلق من الإنسان من أسباب تقييد حرّيته.

وفي اعتقادي أن الجهل من أشدّ أعداء الحرّية فتكاً، لأنّ الجهل يسبب عدم وضوح في الرؤية وعدم القدرة على تحقيق الأهداف المرجوّة، يضاف إلى ذلك أصنافٌ من البشر يعيشون مع المرء في مجتمعه ويقيّدون حرّيته كالفضوليين والثرثارين والمتربّصين والحسّاد والظالمين والفاسدين والحمقى والمتفاصحين وغيرهم.

وممّا يلاحظ أنّ المجتمعات المتحضرة تحرص كلّ الحرص على مواجهة هؤلاء الأعداء وتقليص وجودهم في حياة المجتمعات من خلال سنّ القوانين والإجراءات، بينما نجد الدول الضعيفة التي تعاني التخلّف تحتفي بهؤلاء الأعداء وتمكّن لهم في مجتمعاتها ممّا يعيق تقدّمها ونهضتها، فكثرة أعداء الحرّية أو قلّتهم هي مؤشّرات تقيس مدى تقدّم المجتمعات وتحضّرها.

ومن جهة أخرى فإنّه كلّما زاد انتشار أعداء الحرّية في مجتمع من المجتمعات قلّ الإبداع في ذلك المجتمع وتراجع، وإذا قلّ عدد هؤلاء الأعداء ازداد الإبداع في المجتمع وازدادت معه فرص التقدّم والنجاح والنهضة والرفاه.

salahjarrar@hotmail.com