أبواب - د. عامر العورتاني

بين الفعل ورد الفعل تكمن كثير من التناقضات التي تخالف توقعاتنا، وقد يتفاجأ البعض من التربويين وأولياء الأمور من كم هائل لسلوكيات سلبية غزت مجتمعاتنا، وقبعت في نفوس أطفالنا وشبابنا كمرض خبيث يفتك بهم و عبر ممارسات بدنية ولفظية تنقل صورة خارجية للأبشع الكامن في عقولهم ومنظومتهم الفكرية.

وبالرغم مما تزخر به مناهجنا التربوية من مواضيع التسامح والتعددية وتقبل الآخر والوسطية ونبذ العنف، إلا أن هناك بعض الممارسات تظهر بين الحين والآخر موحية بأن هناك قوة تشدهم بإتجاه يعاكس ما نتطلع إليه جميعاً.

الأمثلة على ممارسة العنف بأشكاله المتعددة كثيرة، إذ يشاهد المراقب مجموعة من الأطفال ينهالون ضرباً وشتماً على طفل آخر بعد خروجهم من المدرسة، أو خلال لعبهم بالطرقات، ومجموعة أخرى من اليافعين يتفنون في تعذيب كلب ضال أو قطة مسكينة، مشهد آخر يتنمر فيه بعض الطلبة في المدارس على من هم دونهم عمراً أو من هم أقل منهم في القوة البدنية.

وصورة أخرى للعنف تتمثل في غياب الروح الرياضية بين صفوف بعض مشجعي الفرق وعدم تقبلهم للنتيجة، والتعبير عن ذلك عبر إثارة الشغب وإحداث الضرر في مرافق الملاعب، ناهيك عن صور المشادات الكلامية والتي قد تصل درجة تصاعدها إلى حد استخدام الأدوات الحادة وإطلاق العيارات النارية على أقل خلاف، بل إن بعض الصور تدفعنا إلى التساؤل باستنكار شديد، ما الذي يدفع بحدث إلى طعن أو إطلاق النار على والده أو أخته، وما الذي يجعل أباً - يفترض بأنه درع الأمان الأول لأبنائه - ينهال ضرباً عليهم إلى درجة أن تفارق الروح جسد أحدهم، ليعيش الآ?ر متجرعاً ألم المشهد وألم ما خلفه الوالد من عاهة مستديمة وأذى نفسي؟. وغيرها الكثير من المشاهد التي تطالعنا بأخبارها الصحف ووسائل الإعلام المختلفة تاركة المجتمع في صدمة كبيرة.

يمكن القول إن هناك غزواً ثقافياً بات يروّج للعنف ويُعلي من شأن القوة الجسدية، ويؤطر الشجاعة في إطار رد الفعل العنيف إتجاه المواقف أو الأفراد، ويعزز قبول العنف وإرتضائه فيما بين الأطفال والشباب أو إتجاه المجتمع، والأخطر أن يصبح العنف معياراً للقبول الاجتماعي بين الأقران، ليكبر هؤلاء الأطفال ويجسدوا ما حملوه من أفكار في الصغر إلى صراعات مادية.

نظرة سريعة إلى ما يتابعه أطفالنا عبر شاشات التلفاز على مختلف الفضائيات تجعلك تدرك مقدار الجرعة التي يتناولونها وبشكل مركز من صور العنف وسلوكياته، إذ أنّ بعض برامج الكرتون تعج بالشخصيات الملحمية الخارقة التي تضرب وتحطم وتنتصر دائماً بفضل قوتها، كما أن بعض الأعمال الدرامية غالبا ً ما تقدم شخصية البطل في صورة صاحب البنية العضلية اللافتة والذي يقف مدافعاً عن الحق مستخدماً قوة البدن والسلاح، والأخطر إذا ما كان العمل يحاكي شخصية المهرِّب والمجرم وتاجر المخدرات والقاتل في ثوب الفضيلة المدافع عن حقوق المقهورين وال?ظلومين، ما يسوّغ لأطفالنا وشبابنا أنّ الغاية تبرر الوسيلة.

ولا شك أن الألعاب الإلكترونية في أغلب تطبيقاتها قد بُنيت على فكرة أساسية وهي القتل أو الضرب، مما يرفع من مستوى روح التحدي لدى الطفل اللاعب، ويرسخ فكرة العنف في عقله الباطن عبر برمجة عصبية تطرأ ببطء على سلوكه حتى يصبح جزءأً من تكوينه الشخصي والاجتماعي.

كما أن الأسرة - الحاضنة الأولى للطفل - تساهم أحياناً في غرس ثقافة العنف لدى الطفل عبر تقديم نموذج سيء من خلال الألفاظ البذيئة التي ُيكثر الوالدان من استخدامها مع الأطفال أو أمامهم، ناهيك عن استخدام الضرب والعقاب البدني دائما وسيلة لتقويم سلوك الأبناء وتوجيههم.

ولا يخفى أثر ذلك في مدى إيمان الطفل مستقبلاً بهذا السلوك طريقاً له مع من حوله، وإذا ما اجتمعت العوامل السابقة إلى جانب غياب الأبوين أو أحدهما عن المشهد التربوي تحت مسوّغات ضغوط الحياة والعمل والتفكك الأسري فإن ذلك يضعف بدوره الروابط العاطفية والروحية والوجدانية، وهنا يتعالى مقدار الغضب الذي يسكن نفس الطفل بفقدانه أهم مكامن الأمن والدفء، الأمر الذي يظهر في صورة سلوكيات عنيفة إتجاه من يحيط به.

من المؤسف القول أن ثقافة العنف بدأت فعلاً تسيطر على أفكار وسلوكيات أطفالنا حتى أصبح أثرها واضحاً فيما تخلفه من خسائر مادية في الأرواح والممتلكات، بل وتعدت ذلك إلى ما سببته من اضطراب في درجات الاستقرار النفسي والمجتمعي على حد سواء، ويتمثل ذلك في تأثيرها على منظومة القيم ومعايير الضبط الاجتماعي والتي تشكل الأساس في ضبط سلوك الأفراد وتعزز صور الأمن إلى جانب الاعتماد على الأنظمة والقوانين.

لا بد من مواجهة هذه الثقافة بثقافة مضادة، وذلك عبر بذل جهد كبير وصادق يتحمل الوالدان العبء الأكبر منه، يقومان من خلاله بالعمل على مشاركة الأبناء ما يشاهدون وتصحيح ما يتعلق بصور العنف التي تنشرها بعض برامج الكرتون وأعمال الدراما والألعاب الإلكترونية، ومناقشتهم في بدائلها المحتملة، كما أن قليلاً من الرقابة على ما يتابعون لن يضر بمساحة الحرية الممنوحة لهم، رقابة يتخللها دوماً حديث حول قيم التسامح والصبر والحكمة، والأهم من ذلك أن يتمثل الوالدان تلك الأخلاق في معاملة أبنائهم من خلال القدوة الصالحة.

وبما أن الأطفال يمثلون الثروة الحقيقية، فلا بد أن نتوجه من خلال المؤسسات المعنيّة ووسائل الإعلام المختلفة إتجاه هذه الفئة بالعناية الفائقة، لا سيما وأن المبادئ والأسس التي تقوم عليها فلسفة التربية تتغير من زمن إلى آخر، فلا بد من إعداد الأطفال بما يتناسب ومتطلبات عصرهم ومنحهم القدرة على استيعاب هذه المتطلبات بتزويد الطفل بمهارات التفكير العليا.

لا شك أنّ أهم ما يكوّن شخصية الطفل هو العقل الذي هو أداة التفكير، فكلما عملنا على رفع مستوى المعرفة لدى الطفل كلما أصبحت لديه القدرة على الملاحظة والمقارنة والتفكير والاستدلال، مما يساهم في تشكيل شخصية متوازنة محصنة بثقافة عقلية ووجدانية، فيتعزز السلوك المبدع لديه ويمنحه القدرة على التفاعل مع المواقف المختلفة والتأثير فيها بشكل إيجابي واثق بعيداً عن الانغلاق والعنف .

أخصائي علم الإجتماع