أدرك البطل المرحوم محمد حنيان العون السردي أن الإنسان يموت مرة واحدة في العمر، وأن القتال في معركة الكرامة فرصة سانحة لن تتكرر، وأمنية غالية حان وقت تحقيقها، وعملية تاريخية للفوز بإحدى الحسنيين، وربما تكون يوماً موعوداً لكسر شوكة الخصم، وغسل آثار النكسة، لحظات عز أن تعيش أزيز الرصاص، ووميض المدافع، وصوت الانفجارات، ودوي القصف، ودخان القذائف، ولهيب القنابل، تستمع لشبكة الاتصال اللاسلكي وهي تنقل لك أوامر بالتقدم والاشتباك، أو إخلاء الجرحى، أو نقل الشهداء، تغمرك البهجة والسرور عندما تتبادل محطات الإرسال عبارات النخوة، وكلمات التشجيع، وبشائر الانتصار.

كان مؤمناً أن نيل شرف الشهادة هو قمة الخلود، وعامل البقاء الأوحد، والهدف الذي يصبو إليه، ويتطلع لتحقيقه، لأنه تحرر من قيود الخوف، وأنطلق نحو تلك الغاية النبيلة، فحقق النصر، ونال زملاؤه شرف الشهادة، فأصبحنا اليوم نعيش بفضلهم، ونقطف ثمار شجرة ارتوت من دمائهم، تركوا لنا وطناً عزيزاً يستحق الركوع في محرابه.

صحيح أن المرحوم نقش أسمه في سجل الشجعان، وعاش بين البنادق والخنادق، وتحت غبار المعركة، يعشق المواجهة، ويتمنى السجال بحد السيف، مدركاً أن العمر فانِ، قوي البأس صلب الإرادة، عصيٌ على الانكسار، يتصف بالإقدام ونكران الذات، يفيض حماساً وروحاً وطنية نادرة، متفان في سبيل الوطن، مؤمناً بقدسية القضية، يشعر بظلم الاحتلال، لكن إرادة القتال لن تنكسر في وجدانه، ولا في دواخل ضميره.

البطل المرحوم يمثل نموذجاً لجيل عسكر الكبرياء والأنفة، اعتنقوا عقيدة قتالية تحمل عميق الإيمان بالله والوطن والملك، تتميز بكاريزما القيادة والهيبة والوقار والصبر، تحترف الاستخدام الأمثل للموارد لبناء عناصر القوة ومتطلبات الصمود، رغم قساوة الظروف ومحدودية الإمكانيات، ومعاناة العسر، استطاعوا الذود عن مقدسات الأمة، وحماية ثوابتها الدينية والوطنية والقومية، أوقدوا شعلة لن تنطفئ.