إنها جولة سريعة في كتاب «أمة من العباقرة» الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية العدد 422 تأليف أنجيلا سايني التي فازت بلقب الكاتب الاوروبي الاول في مجال العلوم لعام 2009، و ترجمة طارق راشد عليان.

ففي مطلع القرن العشرين كتب رجل دين مبهم من جنوب الهند بحثا علميا، ومما لا شك فيه انه كان عالما لا مثيل له، على الرغم من عدم وجود كثيرين منهم، ولد هذا الرجل ونشأ وترعرع في اسرة فقيرة، ولم يلتحق بالدراسة والتعليم، بل قضى معظم ايام طفولته في اعمال التسول، ثم نجا في وقت لاحق من مرض الجدري.

وكلما تقدمت به السن تبنى حياة الزهد المنعزلة نفسها، مثله في ذلك مثل الآلاف من نساك الهندوس في جميع انحاء الهند، وقد يبدو من مظهره انه لا يعلم شيئا عن العلوم الحديثة.

بَيْدَ انه اقترح في ورقته البحثية ان نصوص الفيدا (Vedas)، وهو أقدم الكتب الهندوسية المقدسة، تتألف من ترانيم يعود تاريخها الى ما يقرب من 3 آلاف عام على الاقل – اشتملت على مخططات لتقنية لا تزال غير معروفة حتى الان، استخدمها الهنود القدامى والآلهة القديمة، ونجح في فك شفرات هذه النصوص الدينية، من خلال اتصاله الروحي بعقول الآلهة – على ما يبدو – واكتشف كيفية عمل هذه التقنيات، وأطلق على مخطوطته – التي كتبها في 6 آلاف بيت من الشعر – فايمنيكا شاسترا.

ظلت مخطوطته متجاهلة لبضعة عقود، فقد مات رجل الدين هذا وأصبح عمله في طي النسيان، غير انه في الخمسينيات عثر اكاديمي هندوسي يدعى جي آر يوسير على مخطوطته مصادفة، وفي نهاية الخمسينيات نشر يوسير ترجمة دقيقة باللغة الهندية الحديثة لمخطوطة فايمنيكا شاسترا، ثم ترجمها ثانية في العام 1973، بيد انه ترجمها هذه المرة الى اللغة الانجليزية، وانتشر الكتاب في جميع انحاء العالم، حيث كان عنوانه يبعث على الإثارة إينما تمت قراءته، وأطلق عليه «علم الطيران وكل ما يتعلق بالآلات».

عرف الناس بالفعل ان الكتب الدينية الهندية المقدسة تحدثت عن المحاربين القدماء الذين سافروا في مركبات عائمة تعرف بـ«عربات الآلهة»، بيد ان اغلبية الناس افترضوا ان هذا ما هو إلا سرد خيالي او قصص مجازية، ومع هذا اقترح يوسير في كتابه ان هذه القصص ربما لا تكون مجرد خيال، حيث أفاد بان فايمنيكا شاسترا لم تكن مجرد اوراق لا قيمة لها تتبع في كتابتها الطريقة الفلسفية المعتادة نفسها لرجال الدين، بل احتوت على اوصاف لمركبة فضائية حقيقة، كانت موجودة بالفعل منذ آلاف السنين، وقد تكبد عناء تحديد الخصائص الفنية، وضمّن كتابه مخططات تفصيلية خطها رسام هندسي من بنغالور.

وعلى الغلاف ذي اللون القرنفلي الطفولي لكتابه توجد رسمة بقلم رصاص لإحدى هذه الطائرات، فهي تشبه الغواصة، كما تشبه السمكة الآلية، وهي مكونة من اربعة اطارات مثل كعكة الزفاف، وثلاث ريش، ومروحة خفيفة في المقدمة، وكان من بين المواد التي تقوي هذه الآلة الغريبة مستحيلة الحدوث – وفقا لما جاء في الكتاب – الزئبق، وهو عبارة عن معدن سائل فضي اللون يستخدم في الترمومترات، واشتملت المكونات الاخرى على سم الثعبان وعظام وحيد القرن وبول الابل.

وفي صفحات اخرى، وتحت صور لاطفال محلقين حاملين في ايديهم أكاليل من الزهور، توجد مقاطع عرضية لمركبات الطائرة الاخرى، وكانت احداها مرسومة بخطوط خضراء رفيعة جميلة ودقيقة، ما يوضح مكان سخانات الهواء والمنافيخ وعمود القيادة والمدخنة، ومجموعة من الريش الضخم الذي يمتد بطول الجزء الخلفي، فكانت اشبه بطائر آلي، وقد وصفها يوسير في الواقع كطائرة «يمكنها ان تحلق في السماء بسرعة مكافئة لسرعة الطيور»، وفي صفحة اخرى كانت هناك صورة على شكل مخروط توجد في قمته شرائح وانابيب هوائية واحجار مغناطيس كهربائية تمتد بطولها كالسيخ، وكانت بها ثلاث مراوح صغيرة في القمة ومنصتان لحمل الركاب واخرى للطيار.

لم يكن كتاب يوسير مجرد كتاب يحتوي على رسومات فقط، بل اشتمل ايضا على شروح مطولة للمهارات الشخصية التي يحتاج اليها الطيارون، «حيث يتعين على الطيار ان يكون على دراية ببنية الطائرة، وسبل الاقلاع بها، والصعود في السماء، وكيفية قيادتها وايقافها عند الضرورة، وكيفية عمل مناورة بها، فضلا عن كيفية القيام باعمال بطولية مذهلة في السماء من دون تحطم الطائرة».

كما اشتمل الكتاب ايضا على وصفات لأطعمة يتعين على هؤلاء الطيارين ان يتناولوها، فضلا عن ذلك، اشتمل الكتاب على وصف مفصل لكيفية توليد الكهرباء لتشغيل المولدات الكهربائية التي تدفع الطائرة بالحصول على جلد اسد لونه لون اللهب وتنظيفه جيدا، واضافة الملح اليه، ووضعه في وعاء يحتوي على حمض العشب النخيلي السنبلي، وغليه لمدة 15 ساعة، ثم غسله بماء بارد.

ووصفت مقدمة كتاب يوسير رجل الدين الذي كتب فايمنيكا شاسترا في الاصل على انه «معجم بشري يتميز بتصور غامض، وكان هدفه الوحيد نقل معرفته الى الاجيال القادمة، وكان هذا الرجل مثل سقراط يحيا حياة الفقراء، ولم يسع الى تحقيق مكاسب لنفسه.

ويمكن القول ان القرن العشرين كان قرنا تاريخيا، نتيجة لإنجازين وهما: الحصول على صخور قمرية من الفضاء الخارجي، ونشر فايمنيكا شاسترا من ماض غير معروف، «فهي» تمثل فيضا من المعادلات الثمينة لصناعة الطائرات».

وقد كانت ترجمة يوسير سببا في تلقيه رسائل من السويد وايطاليا والمانيا والولايات المتحدة، حتى انه تلقى دعوة لتناول الشاي مع مهراجا مدينة ميسور.

وقد اعتبر البعض هذه المخطوطة السرية دليلا على الحضارات الهندية القديمة المتقدمة، بينما ادعى آخرون انها تعد برهانا على ان مخلوقات غريبة من الفضاء الخارجي قد زارت الهند منذ آلاف السنين، ولا تزال مخطوطة فايمنيكا شاسترا تظهر على المواقع الخاصة بالاطباق الطائرة الغامضة UFO حتى الآن.

وفي اواخر السبعينيات قررت الحكومة المحلية بولاية كارناتاكا تخصيص قطعة ارض لجي أر يوسير في مدينة ملكوتي الصغيرة، حتى يشرع في تأسيس اكاديمية الابحاث السنسكريتية، وكانت الفكرة تكمن في أن يقوم يوسير وفريق من الباحثين بالتعمق في بحث علوم وتكنولوجيا نصوص الفيدا المقدسة.