أبواب - غدير سالم

كثيراً ما يرتبط النسيان بالشيخوخة ولا يجد كبار السن حرجاً من نسيانهم لبعض الأمور نتيجة تقدم الزمن عليها، إلا أن هناك نوعاً من النسيان الذي يصاب به الشباب ويسبب لهم الحرج، وقد اختبر معظمنا مواقف محرجة وجدنا أنفسنا فيها ننسى اسم الشخص الذي تعرفنا عليه للتو، أو تاريخ ميلاد أحد الأصدقاء، أو حتى حضور اجتماع ضروري، أو كلمة السر في جهاز الكمبيوتر، ونلاحظ أن أساليب الحياة السريعة التي نعيشها هذه الأيام هي التي تدفعنا إلى النسيان.

ويبدو أن الاتهام الأول يرمى على الزمن بأنه السبب بتردي كثير من أمور الحياة والناس وأن همومه جلبت كثيراً من الآفات ومن أبرزها النسيان، ولم يعد هناك فرق كبير بين الرجال والنساء حيث يصرخ الاثنان بأنهما سيصلان لمرحلة نسيان كل شيء، وبعدما كانت كلمة (نسيت شو تعشيت مبارح) تقال من باب التظاهر بأهمية قائلها وكثرة المشاغل، أصبحت اليوم لا تقال ولكنها تحدث فعلاً، إنه حقاً مرض العصر.

يذكر الخمسيني أبو محمد قائلا: «دائماً أواجه هذه المشكلة فقد أواعد فلاناً لشرب فنجان قهوة في أحد الأماكن أو أُدعا لأي مناسبة ولكنني أنسى الموعد والأشخاص، وهذا النسيان سبب لي كثيراً من الإحراج وخسرت مجموعة من علاقاتي بسببه، حيث يظن البعض أني أتقصد عدم المبالاة بهم، وهذا غير حقيقي وخارج عن يدي».

وتابع: «وقد ذهبت للطبيب وأجرى لي تخطيطاً دماغياً ولم يجد سبباً عضوياً، فنصحني بالراحة أكثر، فقد يكون الضغط النفسي هو السبب في هذه الدرجة من النسيان، حيث إن أحوال الحياة ومشاغلها ومتاعبها الكثيرة تؤثر على نفسية الشخص وتوثر على ذهنه وتركيزه».

وتقول الثلاثينية سحر علي: لدي الكثير من المشاكل في حياتي رغم أني حديثة الزواج، وهذه المشاكل جعلتني دائمة الإنشغال بها، لذا أضطر أن أكتب كل مهام عملي انجازها دون الاعتماد على ذاكرتي.

وتتابع: إلا أنني أنسى أين وضعت الورقة التي تحتوي على المعلومات أيضاً، وأحيانا أنسى انني سجلت ملحوظات يجب أن أعود لها، وفي كل مرة أكتشف نسياني لأمر معين أشعر بضغط نفسي كبير يعكر مزاجي طوال اليوم.

ولقد اختلف العلماء في أمر النسيان فذهب بعضهم إلى أن كل ما يدخل في خبرة المرء ويتأثر به لا يزول أبدًا ولا يمحى، وذهب البعض الآخر إلى أن الإنسان لا يمكن أن يحتفظ بكل شيء، وقال بعضهم الثالث إن الأشياء التي سبق حفظها حفظًا جيدًا وثبتت مع التكرار هي التي لا تنسى ويمكن استرجاعها في حالات خاصة مثل الهذيان أو التنويم المغناطيسي.

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: النسيان بشكل عام منتشر لدى الناس جميعاً، فهو ظاهرة إنسانية لا تقتصر على فئة عمرية محددة فهي تنتشر بين الأطفال والكبار والشباب، وللنسيان أسباب عديدة قد تكون طبية أو نفسية أو لأسباب تتعلق بطبيعة الغذاء.

ويرى التميمي أن: الأسباب النفسية للنسيان قد نحصرها بالضغوط والتوتر وتسارع وتيرة الحياة التي نشاهدها في العصر الحالي والكآبة والقلق، أما الأسباب الطبية للنسيان فقد تكون نقصاً في بعض الفيتامينات مثل فيتامين دال أو ب 12 و بعض الأملاح المعدنية، وهناك أسباب اخرى تتعلق بنمط الحياة وأسلوبها المتبع عند الشباب كالسهر المتكرر وتناول الأطعمة الدسمة التي تحتوي على الدهنيات والتي تزيد من مستوى الدم في المعدة وتؤدي الى الكسل والخمول وبالتالي إلى النسيان.

ويضيف: عدا عن تراكم المسؤوليات وكثرة متطلبات الحياة، والتفكير والقلق، وهناك أسباب اخرى تتعلق بالوراثة والجينات، بالإضافة إلى إنتشار تناول المنبهات بكثرة كالمشروبات الغازية والكافيين كالقهوة، عدا عن الأدوية المنبهة والمهدئات، فهذه الأمور جميعها تسبب النسيان.

ويبين التميمي أن: للوقاية من النسيان لا بد من البحث عن الأسباب الطبية من خلال إجراء فحوصات روتينية لنقص الهرمونات، بالإضافة إلى تغيير نمط الحياة وأسلوبها المتبع مثل تجنب السهر وتجنب الوجبات الدسمة في المساء، عدا عن ترميز الأشياء والتركيز فيها فالنسيان سببه التشتت وعدم قدرة الشخص على التركيز في الأشياء عن طريق وضع إشارات معينة لها أو اماكن معينة فنجد العديد من الأشخاص ينسون أماكن الأشياء أين وضعوها وهذا نتيجة الفوضى وعدم التنظيم.

ويدعو التميمي إلى: ضرورة تغيير نمط الحياة والاهتمام بالغذاء الصحي، وتناول الأطعمة التي تحتوي على العناصر المفيدة وتجنب الأطعمة التي تحتوي على عناصر تسبب الخمول، بالإضافة إلى معالجة الأسباب النفسية مثل تخصيص أوقات للراحة والاسترخاء، وهذه جميعها تساعد على التركيز وتقليل النسيان.

ويقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل الغرايبة: النسيان حالة مستديمة في حياة الإنسان لا يمكن التخلص منها ولا عدم الاكتراث بها، ويبدأ شعور الإنسان بأهمية النسيان في حياته عند تعرضه لمواقف مختلفة يكون النسيان سبباً للإخفاق أو الخذلان.

ويتابع: وأبرز تلك المواقف التي تظهر قيمة النسيان وأثره في حياتنا هو عند أداء الطالب لامتحاناته والتي سبق له أن استعد لها بالمذاكرة الطويلة المرهقة، ولكنه يفاجأ بنسيان معظم المعلومات التي درسها لا بل والتي حفظها وأرهق نفسه بحفظها وذلك في اللحظة اللازمة لتذكرها وهي لحظة صياغة الإجابة على ورقة الإمتحان، كما أن النسيان يترك أثره على من كان ينوي السفر في ساعة معينة من محطة معينة ونسي هذا الموعد واضطر الى الانتظار لوقت إضافي آخر حتى ينطلق إلى غايته من تلك المحطة في موعدٍ تالٍ.

ويرى غرايبة أن: النسيان كما يقال نعمة إذا ما تمثل في التغاضي عن إساءات الأقربين أو عند الصفح عنهم حتى لا يخسر الناس علاقاتهم مع بعضهم تبعاً لمواقف سالبة عارضة، كما أن النسيان ينتج عن حالة ارتياح لدى الإنسان الذي يمر بتجربة مؤلمة مع آخرين كالشريك أو الجار أو الرئيس بالعمل أو الزميل ووقعت عليه فيها أثار سيئة ومزعجة.

ويشير غرايبة إلى أن: التركيز والاهتمام والتعود على التذكر والتدرب على استرجاع المعلومات من الأمور التي تبعد عنا النسيان، كما أن المزيد من الإصغاء للآخرين وتجنب تشتت الذهن وعدم الثرثرة هي من الأسباب التي تقاوم النسيان لدينا والتي تتطلب مراعاتها في سعينا المتواصل للحصول على المعرفة والكشف عن الحقائق.

ويشدد خبراء التغذية، على أهمية التغذية السليمة والأطعمة الصحية في تنشيط وتقوية خلايا الذاكرة وزيادة قدرة الدماغ على الإستيعاب والتركيز، وعلاج النسيان.

كما ويحذرون من الاعتماد على الوجبات السريعة غير الصحية، والتركيز على الوجبات المنزلية المتكاملة والتي تشمل الخضروات الطازجة والفاكهة المفيدة، مثل الموز والتفاح والأسماك، لما تحتويه من عناصر الفوسفور والزنك ومواد الليسثين والكولين، وهي مواد مهمة لعمل المخ، وكذلك الحبوب الكاملة مثل جنين القمح والبقوليات، لما تحتويه من فيتامين ب 12 الذي ثبتت فائدته في تنشيط والحفاظ على خلايا المخ، عدا عن تناول العنب والمكسرات والشيكولاته والسكريات، لأنها تزيد كفاءة المخ وتحسّن من الحالة المزاجية، وتعوّض ما يفقده الجسم من طاقة وتنشّط الذاكرة.

وتشير الدراسات الحديثة أن عدد الشباب الذين أصيبوا بمرض النسيان وصل إلى نحو 8% من مجمل عدد الأشخاص المصابين بهذا المرض في كل دول العالم، ويكون من هذا العدد نحو 60% من إجمالي هؤلاء الشباب المصابين بالمرض لديهم عوامل وراثية، تتمثل في ملف العائلة التي أصيب أحد أفرادها، أو أكثر، بهذا المرض، وهذا الانتشار في فئات مختلفة من المجتمعات يدل على أن ذاكرة العالم في مأزق كبير، نتيجة التدمير المستمر للقدرات المعرفية والتعلمية والذهنية، ويسبب مرض النسيان في الإصابة نسبة 77% من أعراض خرف الشيخوخة، وتعتبر السيدات الأكثر تعرضاً لخطر الإصابة بمرض النسيان، أكثر من الرجال، ويصعب علاج هذه الحالة بشكل فعال، وكل ما يمكن فعله هو الحد من زيادة درجة النسيان فقط..

ويقول مؤلف كتاب «أمراض الذاكرة» جان دولاي: النسيان حارس الذاكرة فبفضله تتجدد الذكريات ويستطيع الإنسان أن يُبقي على الذكريات الجديدة مع فقدان كل ما ليس ضرورياً.