أبواب - زياد عساف

«مثقف يساري رث الثياب ذو لحية لم تحلق منذ فترة طويلة، يجوب الطرقات على غير هدى متأبطا بعض الصحف »، هكذا قدمت لنا السينما العربية شخصية الصحفي الملتزم الذي لا يتنازل عن مبادئة، وفي المقابل يظهر الصحفي الانتهازي مسترخيا ببدلته الأنيقة وسيجارة من النوع الفاخر، في وقت أن هذه المهنة ملهمة ومحفزة لإثارة العديد من القضايا على الشاشة الكبيرة أو هكذا يجب ان تكون نظرا لدورها الفاعل برصد اشكاليات الواقع الاجتماعي والسياسي، الا ان صناع السينما لم يتجاوزوا هذا القالب التقليدي إلا ما ندر ما أدى لفقدان عنصر رئيسي هام كان سيسهم حتما في تشكيل هوية خاصة بالسينما العربية. ورغم ذلك تبقى هناك بعض المحطات المضيئة في السينما المصرية تمثلت بتقديم صورة ناصعة ومنطقية للصحفي الملتزم ولا بد هنا من العودة لعام 1975 عندما اخذت جموع المشاهدين بالتوافد إلى صالات السينما وفي اكثر من بلد عربي لحضور فيلم (الكذاب) قصة صالح مرسي واخراج صلاح ابوسيف، وأدى به محمود ياسين دور الصحفي محمود حمدي الذي يلتحق بالعمل (جرسون) في احد المقاهي الشعبية وغايته التواجد في هذا الحي لمراقبة اثنين من عمال مصنع للأقمشة الشعبية سبق ان ادليا بشهادة زور لحماية مدير المصنع من شبهة فساد، ويتمكن من كشف الحقيقة في النهاية.

والمحطة الثانية فيلم (الغول) انتاج عام 1983، ويبقى من المستغرب كيف استطاع هذا العمل تجاوز الرقابة تلك الفترة باعتباره يشكل ادانة واضحة ومباشرة للفساد المستشري وقتها، ويقوم عادل امام بدور صحفي يشهد مصرع احد الأشخاص الفقراء وبحادث دهس متعمد، وتم تبرئة الجاني بحكم نفوذ والده رجل الأعمال، يحاول الصحفي اثبات التهمة دون فائدة ليقرر بنفسه تنفيذ الحكم بقتله لرجل الأعمال بعد ان فقد كل السبل لإظهار الحقيقة.

ومن الأدوار الإيجابية المؤثرة وضمن هذا السياق، شخصية الصحفي الوطني (يوسف) وأداها صلاح قابيل بفيلم العصفور 1972، وطارق هاشم بفيلم المحفظة معايا 1978، واحمد ادم بفيلم (الهروب) 1988.

محجوب عبد الدايم..

في الأوساط الثقافية العربية والصحفية منها تحديدا يشار عادة لكل صحفي انتهازي بلقب (رؤوف علوان) أو (يوسف السويفي) وهما شخصيتان اداهما كمال الشناوي وحسب الترتيب بفيلمي (اللص والكلاب) 1962 و(الرجل الذي فقد ظله) 1968، وبرع الشناوي بهاتين الشخصيتين ومن خلالهما يقدم شخصية الصحفي الذي يتنازل عن القيم والمبادئ لتحقيق مصالحه الشخصية، ويعتبر هذين الفيلمين من روائع السينما العربية بشهادة النقاد والمهتمين بهذا المجال.

اما النموذج الأسوأ للصحفي المتسلق فيشير اليه ابناء مهنته باسم (محجوب عبد الدايم)، وهي الشخصية التي أداها حمدي احمد بأروع ادواره على الإطلاق بفيلم (القاهرة 30) انتاج عام 1966، ومحجوب ضمن احداث الفيلم صحفي مغمور لديه الاستعداد للتنازل عن كل شيء في سبيل مصلحته لدرجة التنازل عن شرفه بسماحه لوكيل الوزارة (احمد مظهر) بأن يشاركه في زوجته (سعاد حسني) وتم تصنيف هذا العمل من اهم مئة فيلم عربي، ويبقى الملفت ان (القاهرة 30) عرض وقتها في جميع المحافظات المصرية، وعندما عرض في محافظة سوهاج بلد حمدي احمد وحسب ما روى هو شخصيا في لقاء تلفزيوني، أن أهل سوهاج رشقوا صالة السينما بالحجارة حتى توقف عرض الفيلم، إذ لم يتقبلوا رؤية ابن بلدهم بهذا الدور المشين.

هذا النوع من الشخصيات أجاده ببراعة الفنان احمد زكي بفيلم (امرأة واحدة لا تكفي) انتاج 1990، ويؤدي شخصية الصحفي الوصولي حسام الذي يسعى من خلال امرأة متنفذه لتحقيق الشهرة والارتقاء بوظيفته بغض النظر عن اي التزام ادبي واخلاقي تفرضه طبيعة المهنة.

يوم من عمري..

في المقابل تغافلت السينما عن التفاصيل المهمة والعميقة في شخصية الصحفي بالعديد من الأعمال والأمثلة كثيرة، ومنها صلاح (عبد الحليم حافظ) بفيلم يوم من عمري 1961، ويقدم دور الصحفي بشكل ساذج حين يسعى للحصول على مكافأة مالية من الصحيفة التي يعمل بها نظير تقديمه مقالا مصورا عن نادية (زبيدة ثروت) ابنة رجل الأعمال الهاربة التي يأويها عنده إلا انه يتراجع عن هذا التصرف غير الانساني بعد ان انتصر الحب الذي توج العلاقة بينهما في النهاية، وكان من المتوقع حينها ان تتصدى الصحافة لتقييم هذا الفيلم بعد العرض وطريقة تقديمه الساذجة للمهنة، إلا أن الصحافة انشغلت وقتها بجمال عيون زبيدة ثروت وليس اكثر، والجدير بالذكر ان نفس الفكرة قدمها عادل امام فيما بعد مع يسرا بفيلم (ليلة شتاء دافئة) انتاج 1981.

صحفيات على الهامش..

لسنوات عديدة احتفظت الصحافة بالطابع الذكوري ولم يكن من السهل على المرأة اقتحام هذا المجال مع بعض الاستثناءات القليلة لاعتبارات اجتماعية، بالإضافة لكونها مهنة خشنة الطابع ما يتنافى مع طبيعة الأنوثة كما يُعتقد، إلا ان تجارب كثيرة على ارض الواقع اثبتت عدم صحة هذه الفرضية فيما بعد.

تجسيد دور المرأة الصحفية على الشاشة ظل هامشيا أيضا ولفترة طويلة، واقتصر ظهورها بشكل ثانوي وغير مؤثر بأغلب الأفلام ومنها على سبيل المثال دور فاتن حمامة بفيلم (موعد غرام)، وتقوم بدور (نوال) الصحفية التي لا تتجاوز مهمتها تبني مشاكل القراء العاطفية، ومهنتها هنا ليست الا مدخلا للبدء بقصة حب مع سمير (عبد الحليم حافظ) وهي الحبكة الأساسية للفيلم.

الصحفية اّمال ليست بعيدة عن هذا الرؤية وأدت الشخصية الفنانة زهرة العلا بفيلم (سر طاقية الإخفاء) 1959، دورها كصحفية بدا هامشيا، واقتصر حضورها بأن تكون محورا للصراع والمنافسة بين زميلها في المهنة عصفور (عبد المنعم ابراهيم) وقريبها الشرير امين (توفيق الدقن)، الهام أو سعاد حسني بفيلم (الطريق) اقتصر دورها أيضا على صحفية بسيطة بقسم الاعلانات والهدف من ذلك خدمة الحبكة بالفيلم، وتتمثل بحضور صابر (رشدي أباظة) لتقديم اعلان بالصحيفة التي تعمل بها بهدف البحث عن والده المفقود، وتتحول العلاقة لقصة حب فيما بينهما، وتسعى الهام في النهاية لانقاذه من مصيره المحتوم بعد ان سلك طريق الشر دون عودة.

وعلى نفس الشاكلة وبدور لايخلو من الخطابة والحماس لم تكن الفنانة يسرا مقنعة بأدائها لشخصية الصحفية فريدة بفيلم (لعدم كفاية الأدلة) 1987، والتي تتبنى مشكلة فوزية (نجلاء فتحي) بعد أن استولوا على ابنتها الطفلة بتاّمر من زوجها، كونها لاتملك الأوراق الثبوتية التي تثبت احقيتها بذلك.

أهرام.. أخبار.. جمهورية

لا يقتصر تحجيم المرأة في هذا النوع من الأدوار على طبيعة الدور نفسه فقط، وانما التأخر بإبراز الدور الإيجابي للمرأة في عالم الصحافة، وهذا ماتحقق في بعض الأفلام ومنها شخصية سمارة عز الدين الصحفية بفيلم ثرثرة فوق النيل 1972 والتي تتبنى قضايا الوطن بعد هزيمة 1967، وأدت هذا الدور الفنانة ماجدة الخطيب، وقدمت أيضا دور صحفية وناشطة سياسية تم قتلها على يد شخصيات متنفذة من خلال احداث فيلم (زائر الفجر) 1973 للمخرج ممدوح شكري، ومنع هذا الفيلم من العرض لمدة طويلة لجرأة الطرح بتصوير واقع الحال في مصر بعد الهزيمة أيضا.

في مشهد من فيلم (بياعة الجرايد) 1963 وقفت ماجدة تنادي كبائعة للصحف (اهرام.. اخبار.. جمهورية)، وتتوالى السنوات لتعود لتقدم دور الصحفية نعمت التي تتواجد على الجبهة بفترة حرب الإستنزاف (1967 - 1973) لتغطي عبر مقالاتها أحلام الجنود هناك من خلال احداث فيلم (العمر لحظة) 1977 والذي تكفلت بانتاجه أيضا.

ومن الأعمال الأخرى التي جسدت دور الصحفية الملتزمة، (بطل من ورق) 1988 لآثار الحكيم، (قضية سميحة بدران) 1990 وقدمتها الفنانة نبيلة عبيد بالاضافة لـ الهام شاهين بفيلم (عفريت النهار) 1999، وغادة عادل بفيلم (عيال حبيبة) 2005.

لفت انتباه

استعراض هذه الأعمال السينمائية وكيفية تناولها لمهنة الصحافة يلفت الانتباه للعديد من الملاحظات الخاصة بهذا الموضوع، ومن أبرزها أن اهم الأفلام بهذا الخصوص تلك التي كتبها صحفيون بارزون على مستوى الوطن العربي وجسدت واقع وحال الصحفيين والمؤسسات الصحفية من الداخل، ومن الأمثلة على ذلك افلام من تأليف الصحفي والأديب يوسف السباعي وقدم للشاشة الفضية فيلمين متميزين هما: العمر لحظة الذي سبق ذكره، وفيلم: جفت الدموع 1975 لمحمود ياسين ونجاة الصغيرة ويحكي قصة صحفي وكاتب سياسي يرتبط بعلاقة حب مع مطربة مشهورة وهو متزوج بالأصل، واثناء انتخابات نقابة الصحفيين يحاول خصومه إثارة هذه العلاقة بهدف اسقاطه بالانتخابات.

بالإضافة لأفلام أخرى كتبها رموز الصحافة في مصر مثل فتحي غانم مؤلف فيلم الرجل الذي فقد ظله، و كفاني يا قلب 1977 ودموع صاحبة الجلالة 1992 تأليف الصحفي والكاتب موسى صبري.

مصور صحفي

ومن الملاحظات الهامة الأخرى اغفال اهمية دور المصور الصحفي في السينما المصرية، ونادرا ماتم التطرق لهذه الفئة من الإعلاميين، ويبقى النموذج الإيجابي في ذلك فيلم: ضربة شمس 1980 لنور الشريف ويؤدي دور مصور صحفي يقوم بمطاردة عصابة دولية للتهريب والتزييف، في المقابل كان هناك أعمال أخرى قدمت المصور الصحفي بشكل فكاهي وساخر ومنها عبد السلام النابلسي الذي قام بدور المصور الصحفي المرافق لعبد الحليم بفيلم: يوم من عمري، واحمد الحداد بفيلم: معبودة الجماهير 1967، وعادل امام بفيلم: البحث عن المتاعب 1976.

اثار العديد من النقاد والصحفيين مسألة تقصير السينما بإحجامها عن تقديم اعمال تتطرق لتجربة وحياة اهم الصحفيين العرب امثال محمد حسنين هيكل وعلي ومصطفى امين وموسى صبري ما قد يساهم بإنصاف هذه المهنة على الشاشة الكبيرة على الأقل.

صحافة فنية..

الصحافة الفنية أيضا لم تقدم على الشاشة الفضية بالصورة اللائقة، ولم يعلق بالاذهان سوى الصحفي الفني الذي غايته تتبع فضائح واخبار الفنانين والفنانات كشخصية ابوبكر عزت بفيلم: معبودة الجماهير، وحسن البارودي بفيلم: لعبة الست 1946.

يرجح بعض النقاد ان من اسباب تقديم الصحفيين بصورة سلبية في السينما يعود لحساسية أغلب المنتجين والمخرجين تجاههم بسبب سهام النقد التي يوجهها هؤلاء لأفلامهم، ولعل ما يرجح هذه الفرضية ما ذكره الصحفي والناقد الراحل سامي السلاموني في لقاء اذاعي أن المخرج حسام الدين مصطفى الذي عانى من نقد السلاموني لأفلامه، لجأ لحيلة بتقديم شخصية رئيس عصابة اسمه (السلاموني) من خلال فيلم (الابطال) 1973 لاحمد رمزي، وفي مشاهد عديدة من الفيلم كانت تكال الشتائم المبطنة للسلاموني الممثل، ولكن على طريقة (اياك اعني واسمعي يا جارة).

اختصار

بعد كل ماسبق لا ضير من العودة للمربع الأول والتأكيد على أن الاشكالية الرئيسة تكمن بإظهار الصحفي وبأغلب الأعمال إما شخصية خيِّرة أوشريرة، أي بين الأبيض والأسود ولم تقترب من الحالة الرمادية له كأنسان له همومه واحلامه ونقاط ضعفه وقوته، وبالتالي ليست بالمهمة الصعبة اختصار مجمل هذه الأعمال وضمن هذه الثنائية النمطية وذلك بمشهدين من فيلمين أولهما: (زوجة رجل مهم) 1988 وضمن مشهد في المقهى يجمع الصحفي المبدئي الوطني مجدي عز العرب (محمد الدرديري) مع ضابط امن الدولة هشام (احمد زكي) الذي سبق ولفق للصحفي مجدي العديد من التهم الباطلة وتم اقالة هشام بعدها لامتصاص نقمة الشارع اثر احداث 18 و19 يناير التي حدثت في مصر عام 1977، هنا وفي هذا المشهد يلقنه الصحفي درسا في معنى الوطنية الحقة.

أما الصحفي الذي يجيد اللعب على كل الحبال فيختصره احمد بدير (عبد المنعم ابراهيم) بمشهد من فيلم: القاهرة 30 وعندما صدفه زميله في المهنة محجوب عبد الدايم في حفل يجمع كبار الشخصيات من علية القوم، هنا بادره محجوب متسائلا باستغراب عن سبب تواجده في هذا المكان ليجيبه على الفور وبأسلوب الواثق من نفسه:

«أنا صحفي تلاقيني في كل حتة.. افطر مع الحكومة.. اتغدا مع المعارضة.. أتعشى مع ست الحسن والجمال!».