عمان - غدير السعدي

أعلنت الهيئة المستقلة للانتخاب أخيراً نيّة الحكومة فتح حوار موسع تشارك فيه مختلف الشرائح والأطياف، لوضع تصورات واقعية وعملية لقانون انتخاب حقيقي يجسد نوايا الدولة الإصلاحية ويرتقي بالعمل النيابي إلى مستوى الطموحات.

هذه الدعوة، وإن لم تكن الأولى في العقود الثلاثة الأخيرة، إلا أنها، في ظل الأجواء والمحفزات السياسية الحالية، وإعلان الحكومة المستمر نيتها توسيع قاعدة المشاركة السياسية للمواطنين في عملية الإصلاح السياسي، ترى فيها الكثير من الجهات المعنية فرصة حقيقية يجب عدم تفويتها.

وفي ظل التأكيدات والدعوات الملكية المتوالية للشباب لرفع أصواتهم وإثبات وجودهم وعدم انتظار مبادرات الآخر لمنحهم مكانهم الحقيقي والمفترض؛ توجهت $ إلى عدد من الناشطين الشباب في محاولة لتسليط الضوء على احتياجاتهم وطموحاتهم ورؤاهم حيال القانون الجديد المزمع.

وكذلك ملاحظاتهم على القانون الحالي وعلى الآليات التي تطرح من خلالها هذه التعديلات، وماذا يجب على الشباب فعله لضمان تمكينهم من المشاركة السياسية الحقيقية، وما المطالب التي يفترض بالجهات الأخرى تنفيذها لتحقيق ذلك..

إعادة الثقة للشباب

يرى الناشط إبراهيم القرالة، أن الحاجة اليوم صارت ملحّة جداً لطرح قانون انتخاب عصري «يعزز المشاركة في الحياة السياسية ويحافظ على الثوابت الوطنية، ويعطي مساحة أكبر للعمل النيابي في أداء دوره التشريعي والرقابي على أكمل وجه تحت مظلة دولة القانون والمواطنة الصالحة».

ويعتقد القرالة أن المهم في أي قانون انتخابي مزمع أن «يخرج من فئة التمثيل المناطقي إلى تمثيل الوطن والمواطن.. قانون قادر على تعزيز دور الأحزاب ذات التوجه والرؤية الوطنية وتعزيز دور التيارات الشبابية ضمن قوائم انتخابية تمثل مختلف أطياف الشباب».

ولا يقصر دور هذه التيارات الشبابية على التغني بالمشاكل والإشارة إليها فقط، بل، وفق القرالة، يجب أن تكون «فاعلة وقادرة على طرح الحلول وتقييم التحديات».

ويؤشر هنا إلى عزوف نسبة لا بأس بها من الشباب عن المشاركة الانتخابية بالتصويت أو الترشيح نظراً لـ«عدم وجود مجالس منتخبة قادرة على إيجاد حلول لمشاكلهم وفي ظل قوانين انتخابية سابقة لم تستهدف القطاع الشبابي واحتياجاته وخصوصا في ظل ارتفاع نسب البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة».

ويشدد على ضرورة أن يكون قانون الانتخاب قادراً على «إعادة الثقة للشباب للمشاركة في العملية الانتخابية وتشجيعهم على المشاركة الحزبية البناءة، أو فرز تيارات انتخابية شبابية قادرة على التنافس والوصول تحت قبة البرلمان».

ويطالب بأن يكون في القانون الانتخابي المقبل توجه واضح «لإلغاء الكوتات الانتخابية»، لأن المرشح، مهما كانت طائفته أو جنسه، هو «مرشح ممثل للوطن أجمع متساو في الحقوق الكاملة للترشح مع أي مواطن آخر ضمن القانون وبالتساوي وضمن الهوية الأردنية الواحدة».

ويشير القرالة إلى «أن الشباب اليوم ينتظرون قانون انتخاب عصرياً يلبي طموحاتهم والطموحات الأردنية والوطنية».

وهذا القانون يجب ان يكون قادراً على «احتواء مختلف التوجهات السياسية»، وفي الوقت ذاته له القدرة على «الحفاظ على الهوية الوطنية»، مع إعطاء «صلاحيات تشريعية ورقابية أكبر للنواب تحت قبة البرلمان ليمارسوا دورهم التشريعي والرقابي». وعلى هذا القانون أن يوفر المساحة الكافية «لإيصال أصحاب الحلول المبتكرة من المبدعين والمتمكنين اقتصادياً وسياسياً ومجتمعياً في مختلف المجالات لمجلس النواب».

المال الأسود

خريج الصحافة والإعلام الشاب فيصل صويص، لاحظ أننا «على أبواب حوار وطني مع مختلف أبناء الوطن للخروج بتعديلات على قانون الانتخاب».

وهذا، برأيه، يمثل «فرصة ذهبية يجب أن نستغلها لتتوافق مع الخطوات التي قامت بها الدولة في مجال الإصلاح السياسي».

والشباب، وفق صويص، هم جزء مهم وأساسي في بناء الوطن، لذا، يدعو لأن يكون لهم «دور مهم بالتعديلات القادمة التي ستساهم بتحسين العملية الديمقراطية والسياسية والخروج من حالة الجمود التي نحن بها اليوم».

ويلفت إلى أن «صوت الشباب مرتفع وواضح، يهدف إلى تحقيق مصلحة الوطن». ويؤكد أهمية تطبيق التعديلات على أرض الواقع «لتوسيع قاعدة الاستفادة والتأثير».

ويحض كذلك على تطبيق التعديلات التي سيوصي بها الشباب أو الأحزاب والقوى السياسية للخروج بنتائج أهمها نجاح العملية الانتخابية وإعادة بناء الثقة بمجلس نواب قادر أن يحقق طموح الشارع الأردني، خصوصا في ظل تراجع ثقة الشعب بالمجلس.

ويشدد على ضرورة إشراك الشباب بالعملية السياسية و«تخفيض سن الترشح لـ ٢٥ عاماً، لضمان وصولهم إلى قبة البرلمان» رغم يقينه بأن التخفيض لن يؤدي مباشرة الى وصول الشباب بقدر ما سيشكل البداية مع مجموعة قرارات أخرى ستساهم بإشراكنا بالحياة السياسية.

ويدعو صويص إلى تخفيض عدد أعضاء المجلس من ١٣٠ إلى ٨٠ نائباً، ووضع «ضوابط على المال الأسود» الذي سيؤدي بالنهاية لوصول أصحاب المصالح الخاصة للبرلمان، وعدم إلزام الناخب بكتلة واحدة داخل الدائرة الانتخابية، ومنع الدعاية لأي مرشح على أبواب مراكز الاقتراع، بالإضافة إلى ضرورة وضع حساب بنكي للكتلة وتعيين حد أعلى للحملات الانتخابية.

وفي الوقت ذاته يؤكد صويص أن على الشباب أن يكونوا على درجة عالية من الوعي و«ألا ننجر خلف بعض العادات العائلية السلبية، وأن ننتخب وفقاً لكفاءة الشخص وحسب برنامجه الانتخابي، وأن نحارب ظاهرة المال الأسود والمناسف والكنافة.. لأن من يشتري الصوت بـ ٥٠ ديناراً سيبيعنا بـ ١٠٠ دينار».

ويأمل صويص أن يخرج هذا الحوار بتعديلات حقيقية «تساهم بتعزيز قيم النزاهة والشفافية وتساعدنا ببناء كتل قوية قادرة على تشكيل أحزاب ذات برامج تمتلك قواعد شعبية على أرض الواقع».

إلى سن 25 عاماً

ويذكّر الناشط راكان الشوبكي بأن الجدل السياسي، منذ عودة الحياة الديمقراطية عام 1989، لم يتوقف حيال الخروج بآلية انتخاب عصرية توافقية تنتج مجلس نواب قادراً على ممارسة دوريه الرقابي والتشريعي بشكل حقيقي وفعال، وبعيداً عن احتكار رغبة السلطة التنفيذية الدائمة بتفصيل قانون يضمن لها استمرار التغول على السلطة التشريعية وإقصاء القوى السياسية المعارضة.

ويبين أن الدعوات تتجدد بالمطالبة بإقرار قانون انتخاب معدل يكون عصرياً وإصلاحياً ليلبي متطلبات المرحلة الصعبة التي تشهدها البلاد.

ويؤشر إلى أن الكثير من الشباب يريدون تخفيض سن الترشح إلى سن 25 عاماً.

ويؤكد أن لدينا عدداً كبيراً من الشباب الواعي والقادر على حمل المسؤولية. ولكن هذا المطلب الذي يختص بالواجب التشريعي «لا يمكن الاستفادة منه في وقتنا الحالي الذي ما زلنا نفتقر فيه إلى التنمية السياسية والتنشئة السياسية الصحيحتين والإرادة الرسمية بذلك، واللتين من خلالهما نستطيع أن نصل الى المشاركة السياسية السليمة».

وينادي الشوبكي بضرورة تغيير النمط الانتخابي السائد المتمثل بالاعتماد على الفردية في اختيار النائب الذي هو «مرشح العشيرة وصاحب المال السياسي والنفوذ المستمد من أجهزة الدولة».

وباعتقاده أن هذه الأمور هي من الأسباب التي أفشلت الارتقاء بالعمل البرلماني». لذلك، يجب «تمتين العملية الانتخابية لتوفير النزاهة والشفافية فيها، والوصول إلى قانون قادر على تنمية الحياة السياسية لتجري وفقه انتخابات 2020».

ويلفت إلى أهمية «تطوير قانوني الانتخاب والأحزاب معاً» لارتباطهما الوثيق ببعضهما بعضا، وذلك لضمان «مشاركة أوسع في عملية صنع القرار وتمكين الشباب من المساهمة بشكل أكبر في التطوير والبناء كما يوجه دائماً جلالة الملك في السعي الى حكومات برلمانية».

وهذا، بظنه، يجعل قانون الانتخاب يحقق «الحق الأساسي في الدستور؛ وهو أن الشعب مصدر السلطات.. وكذلك يُخرج المجلس النيابي بشكل يمثل الأطياف السياسية المختلفة».

ويشدد على ضرورة أن تجري الانتخابات بناءً على قوائم تدخل المجلس ككتل متجانسة سياسياً وحزبياً ومن ثم تشكيل الحكومات بناء على هذه التوافقات، ووصول كتلة الأغلبية التي تمثل حزبا أو تيارا برامجيا قادرا على تشكيل حكومة بمفرده أو بالتحالف مع غيره، وإلى جانب الأغلبية تصل كتلة معارضة صلبة ببرنامج منافس.

.. من الأداة إلى صناعة القرار

ويطالب المهندس أحمد عواد، بتأهيل الشباب من عمر 18 سنة وتمكينهم وتدريبهم من خلال المؤسسات التي تعنى بالانتخابات، أكان مجلس النواب أو مجالس المحافظات أو البلديات أو مؤسسات المجتمع المدني، ليكونوا على اطلاع بعمل هذه المجالس مبكراً.

ويقترح عواد تخفيض سن الترشح للمجالس النيابية إلى عمر 25 عاماً بدلاً من 30، وأن يكون «التصويت على مستوى الوطن» وليس فقط على مستوى دوائر للمحافظات أو الألوية، لأن وظيفة النائب التشريعية والرقابية على الحكومة ستكون على مستوى وطني، مع ضرورة احتفاظ المحافظات بكوتا معينة لضمان تمثيل جميع أبناء المحافظات وجميع الشرائح في المجلس النيابي المقبل.

وينبه إلى أهمية أن تتوافق التعديلات على قانون الانتخاب مع الخطة الاصلاحية الممنهجة التي يقودها جلالة الملك، التي «صارت الآن ضرورة ملحّة للاستمرار في الاصلاحات في المجالات كافة وعلى رأسها الاصلاح السياسي ودمج الشباب بالعمل السياسي الجاد الذي من شأنه تحويلهم من موقع الأداة والوسيلة إلى موقعهم الأهم وهو «صناعة القرار».

وتمكين الشباب، برأيه، هو «العنصر الأساسي بالعملية الاصلاحية التي هي الجزء الأكبر لإرادة رأس الهرم في السلطات جلالة الملك وولي العهد».

وهو يعتقد أن التعديلات التي تمنح الشباب الإدماج بالعمل السياسي هي «تعديلات مبشرة بواقع مهم يسوده التطور والتنمية في القطاعات كافة».

كأن الحكومة تجلس مع نفسها

ويرى الشاب محمد فودة، من مدينة الرصيفة، أنه وفي ظل المهام الأساسية التي كفلها الدستور لمجلس النواب، وهي التشريع والرقابة وصِلة الوصل بين الشعب والحكومة، ما تزال القوانين الانتخابية بحاجة لـ"الكثير من التعديلات لكي تلامس وتحاكي رؤى جلالة الملك للوصول لحكومات برمانية ومجلس نيابي ممثل حقيقي للشعب».

وهذا «لن يتحقق إلا بعد مجموعة من الإجراءات أهمها قانون انتخاب قوي شامل وغير منتقص».

ويتساءل فودة: «إلى أين تريد الحكومة الوصول بالقوانين الناظمة للحياة السياسية؟». ويشير إلى أنه، حتى الآن، «لا يوجد شيء واضح بما يتعلق بمقترحات القوانين».

ويتابع: «حتى تعديلات القوانين مازالت في أدراج الحكومة ولم يطّلع عليها أحد سوى عدة جهات قيل إنها شعبية أو سياسية، وهي في الحقيقة جهات حكومية، وكأن الحكومة تجلس مع نفسها لإقرار قوانين تريدها هي».

القوائم والتمثيل الحزبي

الشاب أنس بليه، رئيس «جمعية أثر» الشبابية المعنية بتوعية الشباب، يقول: «نريد قانوناً انتخابياً سهل الفهم للناخب الأردني البسيط، وأن يكون هذا القانون في ذات الوقت قوياً وممثلاً حقيقياً لإرادة الناخب، وليس قانوناً فضفاضاً مبهماً».

ويطالب بالخروج من قالب القوائم على مستوى المحافظات، الذي يلزم الناخب بالاختيار من قائمة واحدة، للوصول إلى «حرية الانتقاء من مختلف القوائم».

ويتساءل: «كيف لي أن أرى برنامجاً انتخابياً قوياً ويلامس احتياجات المجتمع يتمثل بأكثر من شخص في قوائم مختلفة ولا أستطيع إلا أن أنتخب من قائمة واحدة فقط من تلك القوائم؟».

ويرى بليه أن وجود القوائم أمر صحي ويدل على النية الحقيقية في الوصول لحكومات برلمانية ومشاركة حزبية قوية، لكن، «في ظل ضعف التمثيل الحزبي الحالي تعتبر القوائم إضعافاً لمجلس النواب».