د. يوسف بكّار

فلقد دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع، غير اهتمامي بالخيّام والرباعيّات، مقولةُ الباحثة مهوش أسدي حمامي: «ولم يذكر مؤلف (الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام) أثراً من أدباء المغرب إلّا ترجمة الأستاذ المرحوم (بنتاويت)»، والتي وردت في بحثها «عمر الخيّام والألسنة المترجمة» (فاس، 1998)، أي بعد صدور كتابي، الذي أفادت منه كثيراً، بعشر سنوات.

إنّ قولها لَصحيح لأنّني لم أعثر آنذاك للمغرب العربي كلّه على ترجمات للرّباعيّات سوى ترجمة محمد بن تاويت الطّنجي التي درسْتُها في كتابي (ص251-252) والتي نُشرت في مجلة «اللّسان العربي» بالرباط (العدد 32، آذار 1985)، وكانت تلك الترجمة أحدث التّرجمات الشعريّة العربيّة قاطبًة آنذاك. وكان الفضل في اهتدائي إليها إلى أستاذي د.كامل مصطفى الشيبي، الذي درّسني مادة «الفلسفة» بكلية الآداب بجامعة بغداد في أوائل ستينات القرن العشرين، وقد كان مهتماً بالخيّام وبشعر «الدوبيت» العربي؛ وكتابه «ديوان الدّوبيت في الشّعر العربي» (دار الثقافة، بيروت، 1972) قيّم ومعروف ومتداول.

صدر كتابي «الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام» عام 1988، وقد ألّفته بتكليف من جامعة قطر بفضل رئيسها آنذاك د.محمد إبراهيم كاظم، ودرستُ فيه دراسةً نقديّة خمساً وخمسين (55) ترجمة ومنظومة شعريّة ونثريّة وشعبية لمترجمين وناظمين من العراق ومصر ولبنان والأردن والبحرين والسّعودية والمغرب.. ومنذ ذلك التاريخ وأنا أتقصّى ما فاتني وما جَدّ من ترجمات ومنظومات، فتجمّع لديّ ما يزيد على ثلاثين (30) ترجمة ومنظومة أخرى كتبتُ عن بعضها في المجلات والصّحف وأخّرتُ أُخرى، وستنتظمها جميعاً الطبعة الثانية من الكتاب، التي أخّرتها هذه المدّة الطويلة، لهذا الغرض.

ومن بين ما تجمّع لديّ بضع ترجمات واهتمامات لعدد من أدباء المغرب العربي وشعرائه وأكاديمييه في المغرب وتونس والجزائر على النحو الآتي:

في المغرب

في المغرب، في ما يُستفاد من بحث مهوش أسدي حمامي، ترجمتان أُخريان لا تعرف الباحثة شيئاً عنهما شأنهما شأن ترجمة الشاعر السوري محمّد الفراتي والشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، ورباعيّات أُخرى لأحمد رامي وُجدت بعد وفاته، وترجمات لبعض شعراء السودان. تقول حمامي: «لقد أنصتُّ لحديث إذاعي مع الأستاذ (بنعمارة) –دون أن تذكر عنه شيئاً وهو الشاعر محمد بنعمارة- حول رباعيّات الخيام، ونبّهني الأستاذ عبد الملك الشافي إلى اهتمام الأستاذ (بنعمارة) بترجمة الرباعيّات، ولكنّني لم أعثر على شيء من ترجمته. وأيضاً وجدتُ للأستاذ الشّاعر أحمد مفدي (هو الدكتور أحمد مفدي) قطعة في شعره الحرّ تدلّ على تأثر الشّاعر بترجمات الرّباعيّات، وربما ترجمة فيتز جيرالد، وأجعله الثالث الذي ألمّ بشاعر الرباعيّات في جلسة مع الخيّام في (المرصد)».

وقد عُني بالخيّام في المغرب في ما اهتديتُ إليه أيضاً:

(1) د.حورية الخمليشي من كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بجامعة محمد الخامس بالرّباط في بحثها «حينما تتفوق الترجمة على الأصل: رباعيّات الخيّام، ترجمة أحمد رامي» (http://claudeabouchacra.com-2013).

(2) عايدة بدر في بحثها «رباعيّات الخيّام» بين الأصالة والانتساب» (http:www.wata).

(3) د.أحمد موسى في بحثه «عمر الخيّام الشّاعر المفكّر والفيلسوف» (مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة شعيب الدّكالي الجديدة، المغرب. العدد المزدوج 12-13، 2010).

(4) د.فدوى الشكري المترجمة والباحثة في الدراسات الشرقيّة وأستاذة اللّغة الفارسيّة وسفيرة «واتا» (wata) في مقالها «رباعيّات الخيّام» (http:www.wata)، ومقالها «ترجمات رباعيّات الخيّام في اللغة العربيّة» الذي أشارتْ فيه إلى كتابي وبعض الترجمات (المصدر نفسه).

(5) الفنّان أحمد جاريد في «ما وراء رباعيّات الخيّام».. والذي تضمّن مجموعة من إبداعاته التشكيليّة في (Loft Art Gallery) إحدى أكبر صالات العرض بالدّار البيضاء. وهو يقول عن عمر الخيّام إنه «ليس صورة بل قيمة». ويضيف: «فالذي يشدّني أكثر في تجربة هذا الرّجل هو اقتسام تلك الحساسيّة التي تهمّ زهده وتواضعه، وتهمّ شفافية الرّوح وهشاشة الحبّ. بهذا المعنى يعيدني الخيّام إلى الأعماق... على هذا الأساس أعتبر إعادة زيارتي للرّباعيّات نوعاً من البحث عنّي في الخيّام والبحث عن الخيّام الذي فيّ» (مجلة الدوحة، العدد 70، آب 2013). ولو كنت اطّلعت على هذا المبحث لأدرجته في كتابي «عمر الخيّام في مرايا المبدعين العرب» (دار شهرزاد، عمّان، 2018).

وليس من شك في أن للباحثين والباحثات المغاربة اهتمامات أُخرى بالفارسيّة وآدابها والدراسات المقارنة بينها وبين العربيّة وآدابها أثبتُّ ما استطعت أن أصل إليه منها في كتابيّ: «الفارسيّة في اللّغة العربيّة ولهجاتها: مدخل ومفارقات وببليوغرافيا» (دار شهرزاد، عمّان، 2018)، و«الدراسات العربيّة المقارنة في اللّغات الشّرقيّة وآدابها» (الأهليّة للنشر والتوزيع، عمّان، 2019).

في تونس

لم أعثر لتونس عن الخيّام إلّا على بحث «ترجمات رباعيّات الخيّام» للشاعر د.نور الدّين صمود (مجلة «الدراسات الأدبيّة»، بيروت، العدد 66، ربيع 2009، ص183-202)، الذي وقف فيه عند ترجمة الشّاعر الأردني مصطفى وهبي التل (عِرار) من تحقيقي، واكتفى برباعيّة واحدة (الرباعيّة 89)، هي:

«لقد سمعت في السّحر صوتاً مصدره حانتنا

يقول لي: هلمّ أيّها الخليع المجنون،

نملأ أقداحنا خمراً

قبل أن تمتلئ كؤوس حياتنا»

وجعل يوازنها بنظيراتها في ترجمات نفرٍ ممن ترجموها عن الفارسية: أحمد رامي، وأحمد الصّافي النّجفي، وإبراهيم العُريّض، وعبد الحق فاضل، وطالب الحيدري، وجميل صدقي الزّهاوي؛ وبعض من ترجموها عن ترجمة إدوارد فيتز جيرالد: محمد السّباعي، وديع البستاني، وإبراهيم عبد القادر المازني. ثمّ ترجم هو نفسه الرّباعيّة عينها شعراً عن الفارسيّة -كما يقول- مستعيناً بترجمات نثريّة وشعريّة على بحور عدّة. لقد ترجمها سبعَ ترجمات أوّلها:

«صوت لقطتْ صداه أُذني سحرا

من حانتنا غداً ينادي البشرا

النومَ دعوا لتملؤوا كأساكم

فالموت قضا، ومن يَردُّ القدرا؟».

في الجزائر

ولم أعثر للجزائريين في الخيّام، كذلك، إلّا على منظومة واحدة «رباعيّات الخيّام: صياغة جديدة إلى الشعر الشّعبي الجزائري» عن ترجمة أحمد رامي (لم يُذكر مكان الطبع ولا التاريخ) للشّاعر بلقاسم الشّايب، الذي أثبت كلَّ «رامِيَّةٍ» إلى جانب منظوماته هو، وشرح معاني بعض الألفاظ في الهوامش.

آمل أن أعثر، أو يدلّني غيري، على مواد أخرى -إن وُجدت- في الموضوع في البلدان الثلاثة كي يكتمل ويلمّ شتاته.