د.محمّد محمّد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية-الأميركية للآداب والعلوم، بوغوتا، كولومبيا.

في 14 حزيران 2019، حلّت الذكرى الحادية والتسعون لميلاد إرنيستو تشي غيفارا، الذي كان قد رأى النور في مثل هذا التاريخ من عام 1928 في «روساريو» بالأرجنتين.

هذا الرجل الأسطورة الذي غدا رمزاً للكفاح، والتمرّد، والانتفاض في وجه الظلم في أنحاء المعمورة، كان مقتنعاً بضرورة نقل الكفاح المسلّح إلى مناطق العالم الثالث وأصقاعه وبقاعه، وهكذا أسّس جماعات، وأنشأ حركات عصيان ومواجهة، وزرعَ بؤرَ حرب العصابات في بلدان أميركا اللاتينية وإفريقيا. وقد نُصب كمين له في بوليفيا، بالتعاون بين الجيش البوليفي ووكالة الاستخبارات الأميركية، حيث قُتل في 9 تشرين الأول 1967.

أُلحقت بشخصية غيفارا صفتان تقومان على طرفَي نقيض، فمن جهة أصبح غيفارا لدى الكثيرين رمزاً للثورة والتمرّد ضد الظلم والتفاوت الطبقي والاجتماعي، فأصبح اسمه يقرن بالطبقات الكادحة والفئات المقهورة والجماعات العسيفة؛ ومن جهة أخرى هناك من اعتبره مجرمَ حروب، اقترف العديد من عمليات التقتيل الجماعي، وعلى وجه الخصوص في أميركا الجنوبية وبعض بلدان إفريقيا.

وأصبحت صورة غيفارا الشهيرة التي التقطها له المصوّر «ألبرتو كوردا» واحدةً من الصّور الأكثر شهرةً في العالم على الإطلاق، كما أنّها واحدة من الصّور الأكثر استنساخاً وانتشاراً في العالم في مختلف أشكالها الأصلية ومتغيّراتها، حيث استُعملت في العديد من التجمّعات والتظاهرات والمسيرات والاحتجاجات السياسية والنقابية والعمّالية والاجتماعية، كما استُغلَّت في عالم الإشهار والدعاية والإعلان، وغدت تبعاً لذلك واحدة من أشهر أيقونات الحركات المتمرّدة والثائرة والمضادة في العالم.

نظرات فلسفية

لـغيفارا كتاب يحمل عنوان «ملاحظات فلسفية»، يضم خطاطات وملاحظات ومذكرات ومراسلات وخواطر وآراء وتعاليق وحواشي فلسفية وتأمّلات نظرية، قامت بجمعها وتصنيفها الباحثة الجامعيّة الكوبية «ماريا ديل الكارمن أرييت»، وكتب مقدّمتها المؤرّخ الكوبي «فيرناندو مارتينيس إيريديا».

يعالج غيفارا في هذا الكتاب العديد من القضايا والمواضيع التي استأثرت باهتمامه وشغلت باله في تلك المرحلة المبكّرة من عمره، وفي طليعتها الفلسفة الماركسية، حيث كان يقوم -كلّما سنحت له الظروف- بقراءة أعمال مفكرين كلاسكيين من الماركسييّن واللينينيين وتحليلها وتمحيصها وانتقادها، كما كان يعنى ببعض المؤلفات التي يعتبر أصحابها اشتراكييّن هراطقة أو مارقين أو رجعيّين.

بين هيغل وغيفارا

وجّه غيفارا عام 1965 رسالة شهيرة إلى الزّعيم الكوبي التاريخي «أرماندو إنريكي هارت» الذي كان يترقّب وصول غيفارا في «تنزانيا» بعد فشل الثورة في الكونغو. وبعد أن دخل الثائر الأرجنتيني خلسةً إلى بوليفيا كتب يقول: «لقد حشرت أنفي -بعد هذه الفترة الطويلة من الإجازات- في عالم الفلسفة، الشيء الذي كنت أنوي القيام به منذ مدّة بعيدة، وكان العائق الأوّل الذي يواجهني في هذا الصدد هو أنه في كوبا لم يُنشر شيء يُذكر أو ذو أهمية حول هذا الموضوع، باستثناء بعض المراجع السّوفياتية التي لا تشجّع، ولا تمنح أو تفسح مجالاً للتفكير والتأمّل، ذلك أنّ الحزبّ الشيوعي كان قد نابَ عنك في ذلك، وأنتَ ما عليك سوى التسيير والانصياع». ويضيف غيفارا بلغة مبطّنة بغير قليل من السخرية والتهكّم والازدراء قائلًا: «كمذهبٍ؛ يبدو في الظاهر مناهضاً ومضادّاً للماركسية، وأكثر من ذلك فإنهم في كثير من الأحيان يسبّبون لك الأذى والمتاعب والأضرار والمضايقات».

ويتحدث غيفارا عن العرقلة الثانية التي واجهته قائلاً: «هي ليست أقل أهميّةً من سابقتها، إنها عدم معرفتي باللغة الفلسفية، لقد تصارعتُ بكلّ ما أوتيت من قوّة وضراوة مع المعلّم هيغل ولكنّه لم يمهلني طويلاً، إذ في الجولة الأولى أوقعني وطرحني الأرض مرّتين».

كان المحارب الثوري الأرجنتيني-الكوبي شديدَ الانتقاد لخطط ومشاريع تلقين الفلسفة في النظام التعليمي للاتحاد السوفياتي آنذاك، وقد اقترح على «أرماندو إنريكي هارت» الذي عُين سكرتيراً عاما لمنظمة الحزب الشيوعي الكوبي، أن يعمل على إعداد برنامج جديد لدراسة الفلسفة في كوبا، وهو يقول في هذا الصدد: «لقد أعددتُ برنامجاً دراسياً خاصّاً بى يمكن دراسته وتحليله وتحسينه لوضع لبنة أولى لبناء مدرسة حقيقية للتفكير». ويضيف: «لقد قدّمنا الكثير، وينبغي علينا الآن كذلك إطلاق العنان لتفكيرنا».

قراءات ومطالعات

كان غيفارا شديد العناية بالتحصيل والتعلّم والاطّلاع، وأولى القراءة والمطالعة اهتماماً خاصاً، ونشر مقالات ودراسات وتعاليق حول الكتب والمؤلّفات التي قرأها قبل رحيله، وبخاصة خلال تنقّله بين إفريقيا وبراغ وبوليفيا ما بين عامي 1965 و1967. وقد أطلق على هذه المطالعات «قراءات الشباب» التي عالج فيها مطالعاته الأولى المبكرة من عمره القصير.

ويشير الباحث «ماوريسيو بيسينت» إلى أنّ ما يثير الانتباه في هذا الخصوص، تنوّع اهتمامات غيفارا وتشعّبها، وقراءته لعدد كبير من الكتّاب والمؤلفين في السنوات الثلاث الأخيرة قبل رحيله. فخلال وجوده في الكونغو كان يحمل إلى جانب البندقية أجندةً صغيرة يسجّل فيها جميع الكتب التي قرأها، والتعاليق التي دوّنها بشأنها، ودوّن فيها بين شهري نيسان وتشرين الثاني 1965 أنه انتهى من الأعمال الكاملة لـ«لينين»، و«تاريخ العصور الوسطى» لـ«كوسمسنسكي»، والمجلد الرابع من الأعمال المختارة لـ«ماو تسي تونغ»، والأعمال الكاملة للشّاعر الكوبي الكبير «خوسّيه مارتي»، وكتب لـ«أورورا روخا»، و«بيّو باروخا»، و«الإلياذة والأوديسة» لـ«هوميروس»، ومسرحية «ليلة القتَلة» للكاتب الدرامي الكوبي «خوسّيه تريانا».

وما بين شهري آب وأيلول 1966 وكان قد عاد إلى كوبا وبدأ يتدرّب ويهيّئ نفسه في سريّة تامة للمغامرة البوليفية التي لقي فيها مصرعه، سجّل غيفارا في أجندته أسماء العديد من الكتّاب والمؤلفين منهم: «بابيني»، و«غويتيسولو»، و«شكسبير»، و«ماركس»، و«أنغلز».

,يبدو غيفارا في هذه المذكّرات أو الخواطر أو الملاحظات التي خلّفها لنا وكأنّه قد أشهر الحرب ضد التحجّر والجمود. إذ كتب بعد قراءته كتاب «نهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية» لـ«أنغلز»: «لقد قدّم العلماء عطاءات ثمينةً في الحقل، وفى مجال الاقتصاد، إلّا أنّ القاعدة المثالية التي ينطلق منها هؤلاء العلماء تفضي بهم إلى سبل الحيرة والضلال. ينبغي معالجة المشاكل التي تترى وتُطرح بروح متفتّحة بناء على مبدأ اللاّأدرية العلمية».

القلم والسّلاح

يقول الباحث «نيستور كوهان»: «كان غيفارا في خواطره وكتاباته يؤمن بالإنسان الجديد، وكان لا يرفض كلّ ما هو رأسمالي. إننا أمام رجل يمارس الماركسية، وهو يصارع من أجل تحرير وفكّ الاشتراكية من قيودها المذهبية الجامدة. وقد واجه بقوّة الميولات والاتجاهات البيروقراطية التي تعمل على تجميد الثورة وتكبيلها أو تقييدها أو تقليصها وحبسها بين الدهاليز والممرّات الوزارية».

تُقرّبنا كتابات غيفارا من حياته الخاصة، وتضيء بعض مظاهرها الحميمة، وتعرّفنا بأعماله الأولى واهتماماته المبكّرة. تقول الباحثة الكوبية «ماريا ديل الكارمن أرييت» في ذلك: «قراءات غيفارا ثم كتاباته، جاءت لتملأ فراغاً حول ما كنا نعرفه عن فكره الفلسفي، وصلته أو علاقته بالماركسية». وتضيف الباحثة: «هذه النصوص تعرّفنا على مراحل حياة غيفارا بدءاً بمرحلة المراهقة، وشرخ شبابه الأوّل، ثم دراساته للأعمال النظرية التي بدأ الخوض فيها بعد وصوله إلى بوليفيا».

لقد كان إيرنيستو غيفارا يحمل البندقية في يدٍ، والقلم في اليد الأخرى، وكان يعدّهما أداتين أساسيتين للنصر، وكانت اهتماماته الثورية تتوازى عنده مع تطلّعاته وطموحاته وانشغالاته الفكرية.