«محمد نور» الدهني

هناك أعمال تظلّ محطّ أنظار الأدباء ومقصد النّقاد والدّارسين حتّى بعد مرور عقود من الزّمن على صدورها، فلا نعدم أن نجد كل يوم دراسة حولها أو فكرة رائقة مستوحاة منها، أو قراءة جديدة من منظور مختلف لها وجاهتها. ففي هذه الأعمال ألغاز تتكشّف أسرارُها بمرور الزّمن، وجواهر يزداد بريقها بكثرة اللّمس، ولعلّ رواية «اللّصّ والكلاب» أحد هذه الأعمال.

ففي هذه الرواية التي صدرت عام 1961، سلّط محفوظ الضّوء على العديد من القضايا الإنسانيّة والاجتماعية التي تنخر جسدَ المجتمع وتزعزع تماسكه، فكانت شخصيّاتُ روايته وسيلته، وطريقه المعبّد إليها، وقد اختارها الكاتب بحرفيّة عالية شخصيّاتٍ حيّةً تعكس الواقع وتمثّله، فجاءت شخصيّة علي الجنيديّ الشّيخ المتصوّف رمزاً يمثّل الدّين بشكل عامّ وليس فقط المتصوّفة، وهي شخصيّة قريبة من قلوب النّاس لها «جاذبيتها ونفاذها وسحرها»، فهو صديق العمّ مهران، رجلٌ مسنّ في الثّمانين من عمره، ذو «وجه نحيل فائض الحيويّة بين الإشراق تحفّ به لحية بيضاء كالهالة»، يعيش في «مسكن بسيط كالمساكن في عهد آدم. حوش كبير غير مسقوف في ركنه الأيسر نخلةٌ عالية مقوّسة الهامة».

وقد وظّف محفوظ هذه الشّخصيّة ليعرض الفجوة والهوّة الكبيرة بين رجال الدّين ومجتمع استشْرَتْ فيه الآفات، «فالشّيخ الغائب في السّماء» فَقَدَ دورَهُ التّنويريّ في المجتمع وانحسر دوره في إقامة شعائر الدّين، فنحن أمام شيخ جليل، معتكف في مصلّاه، يعتزل النّاس، غارق في التّمتمة، لا يكاد يخرج من مسكنه، وفي الجهة الأخرى من المجتمع فئات ضائعة في دوّامة الحياة غارقة في وحل الرّذيلة، فطرزان ورجاله امتهنوا التّهريب وتجارة السّلاح، ونور ومثيلاتها رمينَ أجسادهن في أحضان الغرباء وبِعْنَ أنفسهن لمن يدفع، ونبويّة وعليش استمرأا طعم الغدر والخيانة، ورؤوف علوان وآخرون ينتمون إلى فئة وصوليّة انتهازيّة خدعت النّاس وزرعت فيهم مبادئ مضلّلة، وأخيراً يَظهر سعيد مهران إنساناً بسيطاً فقيراً انحرف عن الجادة ووجد نفسه لصّاً، ثمّ لقي مَن يشجّعه على السّير في طريق اللّصوصيّة.

وينما كان الشّيخ الجنيديّ قد عجز عن ردم الهوّة والفجوة بينه وبين فئات المجتمع ولم يتمكن من ممارسة دوره التّنويري، سعى إليه سعيد مهران لعلّه ينقذه ممّا هو فيه، فها هو اللّصّ في بيت الجنيديّ يبحث عن منقذ يخلّصه من أدرانه ويطهّره من ذنوبه وينزع من قلبه كلّ ضغينة وأيّ رغبة في الانتقام، فاللّص الذي قضى أربعة أعوام غدراً في السّجن خرج لتوّه من السّجن فاقداً ثقته بمن حوله بعد أن تخلّى عنه الجميع.. جاء إلى الشّيخ الجنيديّ في مسكنه مصارحاً مكاشفاً كمن يطلب توبة أو يبحث عن مخلّص ممّا هو فيه:

« - السّلام عليكم يا سيّدي ومولاي.

- وعليكم السّلام ورحمة الله.

- لا تؤاخذني، لا مكان لي في الدّنيا إلّا بيتك.خرجتُ اليوم فقط من السّجن.

- السّجن!

- نعم، أنت لم ترني منذ أكثر من عشرة أعوام.. على أيّ حال لا أحبّ أن ألقاك متنكّراً، لذلك أقول لك نّني خرجت اليوم فقط من السّجن».

لقد حاز الشّيخ الجنيديّ رصيداً كبيراً من المحبّة والاحترام في نفوس مريديه يؤهّله لإصلاحهم وتقويم سلوكهم، لكنّه تخلّى عن هذا الدّور، فلم ينجح في أن يردّ سعيد مهران عن نواياه الانتقاميّة، فقد كانت الهوّة كبيرة امتدت إلى لغة الحوار، «فالشيخ الغائب في السّماء المردّد لكلمات لا يمكن أن يعيها مقبلٌ على النّار» ها هو يردّد: «كلمات العهد القديم حيث لكلّ لفظ معنى غير معناه».

وسعيد مهران، اللّص المثقّف، لا يعِي ما يقوله الشّيخ:

«ترك الشّيخ رأسه يهوي في صدره وهو يقول بصوت هامس: أنت تقصد الجدران لا القلب.

فتنهّد سعيد، وبدا لحظة كأنّه لم يفهم شيئاً، ثم قال بصراحة ودون مبالاة:

- خرجت اليوم فقط من السّجن.

- أنت لم تخرج من السّجن.

فابتسم سعيد مرة أخرى. كاد ييأس من التّلاقي. ثمّ تساءل في حرارة:

- هل تذكرني؟

فغمغم الشّيخ دون مبالاة».

وفي المقابل، حين شكا سعيد مهران إلى الشيخ ما لقيه من زوجته وابنته وصديقه لم يجد منه المواساة ولم يسمع منه كلمة طيّبة.. «أنكرتني ابنتي، وجفلتْ منّي كأنّي شيطان، ومن قبلها خانتني أمّها... خانتني مع حقير من أتباعي». واكتفى الشّيخ بقوله: «خذ مصحفاً واقرأ.. توضّأ واقرأ».. وهي كلمات لا يمكن أن يعيها لصّ خارج من السّجن، غدرَ به الجميع، وأُغلقت الدّنيا في وجهه، وأظلم النّهار في عينيه.» فقال سعيد برجاء: إنّي بحاجة إلى كلمة طيّبة».

لقد بحث اللّصّ عن منقذ في المرة الأولى لكنّه لم يجده، فخرج من عند الشّيخ الجنيديّ ليعود إليه قاتلاً يطارده حبل المشنقة، ثمّ بعدها لم يكن صعباً عليه أن يحاول قتل رؤوف علوان فيقتل البوّاب، وحين لجأ في المرّة الثّانية إلى بيت الشّيخ الجنيديّ كان طالباً مأوى لا أكثر بعد أن تعذّر عليه المبيت في بيت نور، فقد جاء لينام ويقضي ليلته حسب، وكان حريصاً أن لا يحدّث الشّيخ أو يكلّمه. ولم يطُلْ بقاؤه فخرج غاضباً ضجِراً من عنده وربّما إلى غير رجعة، «فقال بضيق وهو يطوي الجريدة: سأذهب وأريحك من منظري».

إن تردّي الأوضاع السياسيّة في مصر بعد ثورة يوليو 1952 ألقى بظلامه على واقع الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، فأنتجت الثورة فقراً وتفكّكاً أسريّاً وفساداً أخلاقيّاً، وغاب عن المشهد الدّورُ المأمول لرجال الدّين على اختلاف مشاربهم، ذلك الدّور الذي طالما اضطلعوا به في عصور الانحطاط التي مرّت بها الأمّة.