د. أسماء سالم



لكلّ تكوينٍ حقيقةٌ، ولكلّ ثقافةٍ بدايةٌ وحكايةٌ ونهاية، وفي كتاب «العاطلون عن الحياة» تشكّلت الثّقافة العربيّة والإسلاميّة وارتسمت خُطاها وفق معطيات الواقع والذّات، من منظورٍ واعٍ غنيّ وإحساسٍ إنسانيٍّ جليّ، ولعلّ الكاتب اليمني مهيب نصر في «نفثاته» -كما سمّاها د.عدنان إبراهيم- يعكس ذلك في عشرين قراءة فكريّة وفلسفيّة.

وتتسم قراءات نصر في كتابه الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2019) أنها ذات مرجعيّة ثقافيّة واسعة، تستحضر الماضي، وتستوعب الحاضر بيقظة، وتستشرف المستقبل، انطلاقاً من رؤية خاصّة للظّروف المحيطة، وبناءً على موقف واضح إزاء أوضاع المثقّف العربيّ وعلاقته بالسّلطة، وهي علاقة جدليّة قديمة وجديدة ومتجدّدة، مستطيعاً -من خلالها- بثّ الهموم الوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة، وتشريح بعض القضايا الثّقافيّة وقوفاً على الأسباب وطرحاً للعلاج، بتوجيهٍ ناصحٍ قدر الإمكان، وبلغةٍ عميقةٍ مشبعةٍ بتراث الأمّة وطاقاتها، وبآلامها الآنية أيضاً.

ولست في صدد الثّناء الأعمى بقدر ما أصوّر نظرة أيّ متلقٍّ يعنيه الكيفية التي أدّى بها الكاتب دوره، وكيفية تعزيزه الدّلالةَ، مساهماً في إيقاظ الوعي الجمعيّ، والارتقاء بذائقة المجتمعات العربيّة الثّقافيّة، من منظورٍ يسلّط الضّوء على واقعٍ فكريٍّ وسياسيٍّ متردٍّ ومأزوم.

ولعلّ ما يلفت في هذه القراءات عنوانها الموحي والدّالّ، وعتبتها القيّمة، وتقديمها المعبّر عن عمق هموم كاتبها؛ فهي صادرة عن وعيٍ ثقافيّ وفرط حساسيّة تجاه واقعٍ مؤلم إنساناً وثقافةً وهويّة، تمرّداً بالكلمة على السّلطات لاسيّما الزّمنيّة؛ فهي العدوّ الأوّل للمعرفة والفلسفة والإبداع.

وتشي بلاغة عنوان «العاطلون عن الحياة» بآثار ممتدّة إلى أبعد الحدود فكريّاً ووجوديّاً، متجاوزاً الأثر المادّيّ المتعارف عليه، إضافةً إلى ما وقفتْ عليه كلمة الغلاف الختاميّة وقوفاً مؤثّراً وحقّاً؛ فهي ليست معنيّة باستعراض الأسماء والإنجازات العربيّة قدرَ اهتمامها بدَور الفكر والوعي والعقل والعمل والجدّة وكسر المألوف وتجاوز المبتذل والعجز، بما ينسجم مع ما أثير في المقدّمة من تساؤلٍ عن جدوى الحياة دونما فكرٍ وإرادة، الأمر الذي ساق الكاتب إلى مكاشفاتٍ سعى بها إلى التّعبير عمّا يعتور دخيلة أيّ مثقّف مثله، بأسلوبٍ مواربٍ يقف على آليّة الوجود، واستهلاك الوقت للطّاقات، وانتهاك ملذّات العقل والتّأمّل والتّجريد. إذ تتصوّر هذه القراءة الكلّيّة وضعَ الثّقافة العربيّة في قراءات منسجمة ومنفتحة على بعضها بعضاً، مقصدُها المعنى والحقيقة، وغايتُها مسير الأمّة ومصيرها ومعاينة الواقع وآثاره السّلبيّة الممتدّة على تقدّمها وتحضّرها، إضافةً إلى دور الثّقافة، ما يعبّر عن رؤية الكاتب للقراءة والكتابة والثّقافة وموهوبيها وموهوميها؛ فهي ليست تراكماً كمّيّاً بقدر ما هي استيعابٌ واعٍ، يحتكم إلى جملة ظروف بيئيّة ومرجعيّة وفلسفيّة؛ إذ إنّ غايةَ الألم عنده الوعيُ في زمن يغضّ الطّرف منه، يقول: «صه، فإنّني لآسى على ماضٍ كنتُ فيه بلا وعي، كأسايَ اليوم بعد أن وعيت، إنّما في محيطٍ من الدّيون!».

ولعلّ أبرز ما في هذا الكتاب تناول قضايا حسّاسة تتعلّق بالثّقافة ومفهومها، والقراءة وأثرها، والإبداع وحقيقته، والكتابة وتجديدها، بعيداً عن التّقليد والتّرقيع، ماسّاً أزمة الثّقافة العربيّة التي تقصي المواهب الشّبابيّة المبدعة بينما يتعلّق القدامى بمناصبهم الموهومة؛ فالمبدع فنّاً أو أدباً أو نقداً أحقّ بالاهتمام والتّبنّي، فلا يشعر بالاغتراب ولا يهمّ بالذّهاب، وهو كذلك أحقّ بالتّشجيع الدّائم والتّعبير الحرّ.

فالكتابة بحسب مهيب نصر، مضمارُ إثباتِ وجودٍ، وبحثٍ عن الحقيقة، والتماسٍ للحرّيّة، بعيداً عن استعباد الأقلام والاضطهاد والإرهاب والاستبداد؛ إذ إنّه ثمّة مثقّفون مبدعون ضحايا، منذ صالح بن عبد القدّوس وبشّار بن برد حتّى عصرنا هذا؛ فأزمة المثقّف العربيّ في ظلّ السّلطات تتمثّل في التّهميش والعداء والقمع وكبت الحرّيّات، والتّوجّه إلى سياقاتٍ مضمونيّة وموضوعيّة بعيدة الرّؤى عن القصد، تقيةً وتحرّزاً، وكذلك في جبنه وعجزه من ناحية، واندساسه وخيانته لأمّته وهمومها وادّعائه وعمالته المادّيّة من ناحية أخرى، فهو «لا يُعرف إلّا عند الاختلاف، ولا يبان طول باعه من قصر ذراعه إلّا حين يباب الأرض».

هذا ما ألحّ عليه الكاتب تحت عنوان «ما الذي سيخسره المضطهَدون؟»؛ إذ تتّضح العلّة في واقعٍ يقتضي حراكاً ثقافيّاً ملحوظاً أوّلاً ومنسجماً ثانياً؛ ولكنّ الحقيقة تُظهر خلاف ذلك، فثمّة هروبٌ وتنصّلٌ وجفافٌ وبرودٌ ولا مبالاة وتغافل، وهو ما ينطوي على تعرية للمشهد الثّقافيّ العربيّ من جهة، ودعوة جريئة إلى الالتزام بقضايا الأمّة من جهة أخرى.

ونجد المؤلف يقف عند أعلام ثقافيّة، أمثال: جبران، وميخائيل نعيمة، والعقّاد، والماغوط، ودوستوفيسكي، وماركس، وماركيز، وجارودي، وفولتير، وهيغل، حاثّاً المثقّف المعاصر من خلال تجارب هؤلاء على أن يكون إنساناً حقيقيّاً وحرّاً جريئاً وملتزماً قويّاً، عارضاً أزمته وما يعانيه من عزلةٍ وتشظٍّ، لاسيّما تحت عنوان «عصر التّوحّد»؛ إذ يثير أسئلةً ويقدّم إجاباتٍ مقنعةً وملموسةً واقعيّاً، فأسباب هجر قضايا الأمّة ذاتيّةٌ وخارجيّةٌ، تتمثّل في البعد عن الله، والاكتئاب، والرّأسماليّة أو ما بعد الحداثة، ومآسي المجتمعات العربيّة المستهلِكة والمقلِّدة والمتأخّرة.

وممّا يبرز في هذا العمل المميّز استحضارُ الماضي، والتّلميحُ إلى واقع معيش وقضايا سياسيّة معاصرة، وتعرية السّلفيّة والدّاعشيّة التي تحارب الإنسانيّة والدّين الذي كذّبت باسمه، فذوو هذه السّلطات «اختصّوا لأنفسهم مقاعدَ القداسة، تلكم القداسة التي عمت عليهم، فعموا عن معفّة الإسلام والإنسان معاً، وصار العربيُّ ينبت في حذاء الظّلمة، وها هي النّتيجة؛ انسلاخ الوعي رغم وضوح الفعل المنكر البشع».

ويتوقّف المؤلف عند أدوات السّلطة الزّائفة، والثّقافة المغلوطة، ووجوه القتل والعداوة الأولى، وذلك بتسليط الضّوء على الحاضر من خلال تكرار النّماذج، مستدعياً قصصاً ذات معاني مقصودة، مثل: قصّة الدّببة، للدّلالة على زيف العلاقة بين السّلطة وأدواتها، وادّعاءاتها وتماديها؛ ومتطرّقاً إلى مبادئ ومثُل وقِيَم مغيّبة كالحرّيّة والعدالة والمساواة، وإلى أمراض الجاتمعات العربيّة الميّتة، فلا عبقريّة ولا فكر ولا ثقافة، مقترحاً الحلّ النّاجع والأمثل من داخلها قبل أيّ شيء، في سياق الواقع المغمّس بالطّائفيّة والعنصريّة والاقتتال، داعياً إلى السّلام، فـ«هنا والآن، ترْسُنا الكتاب وسيفُنا القلم، دون أن نقطع رأساً أو نبقر بطناً أو نبعج كبداً أو نخلع كتفاً أو نهدم صومعة».

ويتّضح أنّ دعوة الكاتب إلى الوعي الثّقافيّ جادّةٌ ومطّردة؛ فهو يرى أنّ الحياة لا تكمن في مادّيّاتها الملموسة ومتعلّقاتها، إنّما في الفكر والتّيقّظ والتّمعّن في جملة الظّروف المحيطة زمانيّاً ومكانيّاً، فـ «دين المجتمع النّفاق والتّفاخر والاعتداد والتّفاوت والاعتباط، لم يأتِ نبيٌّ إلّا ليهدم هذا الدّين الكافر الوقح، ولم يأت عبقريٌّ إلّا ليضعه تحت أقدام العلم، ذلك العلم وما نتج عنه من شواظ، حفّز قطيع تلكم الثّقافة للتّخلّص منه».

ويركز المؤلف على أهمية انفتاح القراءات واستيعاب التّدفّق المعرفيّ، فـ«القراءة واقتحاف المعرفة أمور من المفترَض أن تكون رأس الرّغبة وقلب الاهتمام، كما لو أنّهنّ خُلقن بذاتهن في ناصية المرء؛ إذ إنّهنّ بمثابة المسبار في شتّى أمور حياتنا»، متناولاً قضيّة مهمّة تتعلّق بثقافة أمّتنا المهزومة والفارغة والمهلهلة والتّابعة والتّقليديّة؛ فـ«مغبّة الجموع في فلك الجمود أكثر زللاً من الانفتاح النّاشد للخروج من القوقعة، وهل تحدُّرنا المسمهر سوى جمود، تقليد، جهل، تخلّف».

إنّ العبقريّة العربيّة أحوج ما تكون إلى من يتمرّد على روتينها النّمطيّ، وإلى تضافر الجهود في استثمار العقليّات الشّبابيّة المثقّفة المبدعة، وهي تحتضر في ظلّ ظروفها الرّاهنة، ما يجري مجرى قول نازك الملائكة: «العبقريّة يا فتاي كئيبة، والضّاحكون رواسب وزوائد».

وأخيراً، يبدو أنّ حسّ الكاتب العروبيّ تجاه أمّته وثقافتها كان موازياً لإحساسه بهموم وطنه (اليمن) متناولاً بعض ظواهره الاجتماعيّة والسّياسيّة، واقفاً على رموز إنسانيّة للكفاح، والتّضحية والفداء، والأمل المغيّب، والغربة والضّياع والتّشتّت.