قبل أيام جلست لسماع حديث فضيلة الشيخ الكبير الأستاذ سالم الفلاحات «حول الإصلاح». كعادته كان هادئاً يغرف من مخزونِه المعرفي. وعادت ذاكرتي إلى عبارة الفيلسوف اليوناني سقراط: «تكلّم حتى أراك». فتكلَّم الشيخ وشَعرْنا بحضُوره. ذلك أن حديث الفرد هو شاخصة على وجوده وتعبير عن ثَراهُ، أو عكس ذلك. كان جلّ حديث الشيخ الجليل «الرفيق» -ليس بالمعنى الحزبي- منصباً على الإصلاح والسؤال عن الطريق في عصرنا العربي الحالي، حيث ضاق الطريق وقَلّ الرفيق وأَقَلّ العالِمُ، أو صمَتَ أو إبتعد، واعتلى المسرح في بعض الساحات الاجتماعية والسياسية العربية، أهلُ الصُدفَة، والمدّعون وحمَلةَ المباخر. وأَعْطَى بعض المسؤولين آذاناً صاغيةً لِمَنْ يَطرَبُ لسمَاعِه. بل أغفل ونأى بنفسه عمّا يُزعِجَه ويعَكّر صَفْوَهُ من خبر أو نصيحة أو دعوة إلى كلمةٍ سواء. وأصبح حُلُم «معظم» شباب اليوم، إلاّ من رحم ربك، مُحْزِناً لنا–إنه «العَلَفَ»، فهو الطُّعْم والهدف. هو «حُلُم الدجاج »، بدلاً من طموح الإنجاز والعُلُوِّ وإدامةُ الحضارة والعِمْران. (لقد جازت عليك الرحمة، يا إبن خُلدون- العالم التونسي).

نعم أقول في الظرف الذي تمر به الأمة العربية والإسلامية، ونحن في الأردن منها، نحتاج إلى أن نستهدف الداخل أكثر داخل أنفسنا وداخل ديارنا. وأن ننتصر من الداخل أولاً. فظروف الأمة العربية لا تختلف عن تلك أيام صلاح الدين الأيوبي في الفُرْقَةِ والضعف والاستهداف الخارجي. والعلاج آنذاك الذى شفى الأمة هو نفسه اليوم، رُغمَ اختلاف حجم التحدي. حينها لم يرفع صلاحُ الدِّين ويُشْهِر «السيف» أولاً، بل رفع «القلم والكلمة» والعِلْم والتربية الوطنية، والعدل، لإصلاح الداخل، أولاً. مستهدِفاً حسر الانحدار ثمّ المنعة، لدفع الأذى والعدوان الخارجي. ودعا علماء الأمة ووجوهها المشاركة في الدفاع عن الأمة وأن لا يفقِدوا الأمل في الخلاص من الأزمة.

كان حديثنا مع الشيخ سالم الفلاحات ثرياً ومؤونة لطريق طويل خلافاً لما يعتقده مدَّعِو الإصلاح الجدد، في بيتنا في الأردن، وفي غيره، الذين يَطْلَعُونَ علينا مطالبين بالإصلاح بين ليلة وضحاها متغافلين عن المُنْجَزِ، ودون مضامين عملية مُتَتَلمِذِينَ، مرَدِّدِين آراءَ أساتِذتِهم، ذوي الغرض. لقد غابت عنهم أن بناء الأمة ليس طريقاً قصيراً ويحتاج إلى مصلحين أكفياء شِداد ذوي خبرة ونزاهة ومهابة، لا حملة شهادات ورق ومايكروفونات. إن قراءَة مجلَّدات السباحة، لا تضمن لصاحبها العَوْمَ، دون ممارسة! ناهيك أن من يُنكِر إلانجاز، ولا يكون وفياً للمنجزين، هو نفسه يحتاج إلى إصلاح. فالإصلاح مسيرة بناء تراكمية يبدأ بالفرد والمسؤول، مع بناء المؤسسات واستقلال السلطات وإنفاذ القانون على أيدٍ متينة مستقيمة وقدوة حسنة.

لقد بادرتُ وسألت شيخنا الفلاحات: هل حاجة الأمة حالياً إلى صلاحُ الدِّين؟ أم صلاحٌ لفَهمِ الدين؟ والإجابة واضحة لذوي العقول. إنها بحاجة إلى الاثنين ولا يختلف فضيلته معي وإن لم أوافقه على بعض من فَهْمِه. وأقول هنا، أليست جهود البلاد والعِباد في التربية المنزلية والتعليم الباني للمعارف والمهذب للنفس، أليست تلك خطوات على طريق الإصلاح؟ نَعَمْ ثُمَّ نَعمْ، لدينا فجوات وعثرات تحتاج منا جهاداً وتصحيحاً. إن النفْسَ تُجاهِدْ وأنت تجاهِدُها. وذاك تحدٍ كبير، فخَصْمُكَ الأوْلَى بالرعاية بين جَنْبَيْكْ؛ فإن كان هناك جهل أو سوء خلق، وانصياع للشهوات المالية والإستهلاكية والجسدية، (عجزٌ معنوي) أو كان الفرد قاسِياً، غير بارٍ بوالديه وأهله وأطفالِه، عنصُريٌّ متعصب مُتَنَمِّرٌ، لا يؤمن بالحِوار والحكمة، مبذِّر غير مُؤْتَمَنٍ على المال العام والخاص والمسؤولية العامة والثروة الوطنية، متهرِّب من الضريبة المالية والاجتماعية، غير نزيه، ظالمٌ لنفسه ولغيرِه، مُبتَعِد عن حسِّ العدالة، إنه إذن فرد في مجتمع مصاب بفايروس الهدم لا الصَّلاحِ والبناء والعِمْران.

لقد كرست الكتب السماوية لنا والقرآن الكريم والسُّنّة النبوية، حِكَماً وآداباً وتربية للفرد والنفس، وأصولَ الحِوارِ بين الناس، حاثّة الغنيَّ، والفقير، والمسؤول، على الالتقاء على القواسم المشتركة، والتكافل، والخلق القويم، والعِلْم، والنهوض بالمسؤولية المجتمعية. وهذا هو التحدِّي والجهاد الكبير. قال تعالى.. «قولوا آمنا باللهِ وما أُنْزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ وما أُوتِيَ موسى وعيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّون من ربِّهم لا نُفَرِّقُ بيْن أحدٍ منهُم ونحْنُ له مُسلمُون» (136 سورة البقرة)؛.. «أفأنت تُكْرِهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس 89)؛.. «لِكُلٍ منكُم جعلنا شِرْعَةً ومِنْهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدةً».. (47 المائدة)؛ قال رسول العالمين صلى الله عليه وسلم: الكلمة الطيبة صدقة؛ إتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة؛ إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً.