من أدبيات وفلسفة التأمين الجماعي أننا نؤمن الكل لنعوض البعض عند وقوع الخطرالذي هوالخطأ الطبي موضوع التأمين، لذا فإن هذا النوع من التأمينات يعتبر تكافلياً بإمتياز. لقد نص قانون المسؤولية الطبية والصحية الصادر أخيراً على إنشاء صندوق للتعويض ضد الأخطاء الطبية في المجلس الصحي العالي وبهذا تكون الدولة من خلال وزارة الصحة قد أخذت على عاتقها أعمال التأمين وإدارة هذه البوليصة الكبرى لكافة الممارسين في القطاع الطبي من أطباء بشريين وأسنان وصيادلة وممرضين وفنيين وكل من يحمل تصريح ممارسة مهنة طبية أو صحية له باع في العملية العلاجية للمرضى والذين قد تتراوح أعدادهم ما بين 160 و180ألف ممارس طبي، بدلاً من تركها تدار من قبل شركات التأمين الخاصة.

وقد أشرت في مقال سابق إلى هذه الورطة التي وضعت الدولة ممثلةً بوزارة الصحة والمجلس الصحي العالي نفسها فيها تحت ضغط من النقابات المهنية التي تخشى من تغول شركات التأمين على منتسبيها والذي في رأيي لا يتفق مع الواقع العملي للتأمين الجماعي الذي عادةً ما تكون أقساطه معقولة وتغطياته تفوق تغطيات الصندوق التي حدها الأعلى خمسون ألف دينار لوجود أعداد كبيرة من المؤمنين، إضافةً إلى ما تتحلى به شركات التأمين من كفاءة في إدارة هذه المحافظ التأمينية. وهنا لا بد من التعامل مع واقع الأمور بعد أن أصبح قانون المسؤولية الطبية والصحية نافذاً ونظام الصندوق قد نشر في الجريدة الرسمية ونفتح باب الاجتهاد لعلنا نصيب الهدف المنشود فننال أجرين ونتساءل في هذه المرحلة:

1. هل سيكون هناك محاكم مختصة للنظر في القضايا الطبية القانونية أسوةً بالمحاكم العمالية وغيرها.

2. هل سنرى قضاة ومحامين مختصين بهذه القضايا كما هو الحال في الدول المتقدمة.

3. الصندوق يدفع التعويض بناءً على قرار محكمة أو بموجب قرار تحكيم ولكن هل سيدفع الصندوق إذا تم الأتفاق على مبلغ معين بين مقدم الخدمة ومتلقيها.

4. ما هو الأفضل تقديم الشكوى لوزارة الصحة أولاً أم الذهاب رأساً للقضاء.

5. كيف سيتم التقاضي في غياب القواعد المهنية التي تحكم الأداء الطبي والتي يتطلب وضعها وقتاً طويلاً من قبل لجان المعايير الطبية والصحية الرئيسية والفرعية التي لم تتشكل بعد.

6. هل سيتم التوجه للتأمين التكميلي لدى شركات التأمين إذا زاد المبلغ المحكوم به لمتلقي الخدمة عن السقف المقرر في نظام الصندوق أم ستتولى إدارة الصندوق ذلك.

ونقول هنا إن إنشاء هذا الصندوق رغم أنه يؤشر على مدى إهتمام الدولة بحقوق المواطنين سواء كانوا مقدمي خدمة أم متلقيها، إلا أنه يشكل عبئاً ثقيلاً على المجلس الصحي العالي وكادره الإداري يستوجب إعادة هيكلة المجلس لأستيعاب المهام الجديدة، أو إنشاء كيان مستقل له.

وفي الختام فإن على أجهزة الدولة المعنية بهذا القانون وتفرعاته مسؤولية توعية المواطنين حول كيفية التعامل مع قضايا الأخطاء الطبية والصحية، كما أن على مقدمي الخدمة سواء كانوا معنويين أم إعتباريين واجب التعامل الحضاري والمهني مع المرضى وذويهم وتقديم المعلومات لهم بمنتهى الدقة والشفافية، وعلى متلقيي الخدمة واجب إحترام كافة الممارسين الطبيين والابتعاد عن رفع القضايا الكيدية والتشهيرغير المؤسس على حقائق وأدلة لنرقى بمؤسساتنا الطبية ونسمو بأخلاقنا المهنية دائماً إلى العلى.

إستشاري إدارة مستشفيات وتخطيط صحي