وليد سليمان

الصحافية المختصة بالحوار بين أتباع الأديان في الأردن والشرق الأوسط، والكاتبة في مواقع إخبارية متعددة، والمحاضرة غير المتفرغة بعدة جامعات في العاصمة عمان، أعدت بحثاً متميزاً "حصن السلام" والذي صدر باللغتين: الانجليزية في العام 2017 ثم بالعربية عام 2018

الترجمة إلى العربية!

وعن سبب قيام الكاتبة رُلى بترجمة كتابها الى اللغة العربية والذي كان بدايةً باللغة الانجليزية، تقول:

عندما عزمت على تأليف هذا الكتاب، اخترت ان يكون باللغة الانجليزية لأنه موجه بالدرجة الاولى للعالم وضيوف المملكة الأعزاء.. والهدف هو تسليط الضوء على جهود الاردن في اطلاق وقيادة جهود الحوار بين أتباع الأديان على مستوى العالم، وهي مسيرة مباركة بقيادة الهاشميين، وعلى رأسهم جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه.

ثم كان ان وقع بخاطرها ان هذه (الجهود) تحتاج لمساهمة كل واحد منا في لفت الانظار اليها ودعمها.. كلٌ في مدى استطاعته من حيث موقعه،، وهي مصدر فخر واعتزاز لكل أردني وكل محب للسلام وخصم للتطرف والراديكالية والعنف ومن يمارسه.

وعندما تم نشر الكتاب باللغة الانجليزية وتوزيعه دولياً.. فقد حقق الكتاب درجة كبيرة من الأهداف التي وُضع لها، ووصلت الرسالة الى جزء لا بأس به من الجمهور المستهدف.. وجاءت ردود الفعل ايجابية في الغالب.

وكانت هناك اصوات في داخل المجتمع الاردني ومن الأخوة العرب ممن عرفوا عن هذا الكتاب.. فطالبوا بنسخةٍ عربية.

وتخص المؤلفة هنا بالذكر وزير الثقافة السابق «نبيه شقم» الذي شجعها منذ البدايات على ترجمة الكتاب، وأن لا تُحرم القارئ باللغة العربية من فوائده.

الأب محمد في عمان!

وفي بحث الاعلامية السماعين- الحاصلة على الشهادة الجامعية بالعلوم السياسية واللغة الانجليزية- العديد من المواقف والحكايا المبهرة والمدهشة التي عُرفت وانتشرت في مجتمعنا الاردني الفريد في حب وتقدير مواطنيه لبعضهم البعض بغض النظر عن تعدد العرق والدين والفكر.

ففي سردها عن حكاية الأب «محمد جورج شرايحة» تختزل الكثير الكثير من واقع العيش المشترك المسيحي- الاسلامي في الاردن.. فالأب شرايحة هو خوري الطائفة المسيحية في مرج الحمام جنوب غرب عمان، ومقره كنيسة مار الياس للروم الكاثوليك.

فإسم هذا الخوري على شهادة الميلاد «محمد» ويُعرف باسم «محمد جورج».

وقد وُلد الأب شرايحة في عمان ونشأ في محافظة الكرك الواقعة على بُعد 140كم جنوب العاصمة، وتم تسميته على اسم احد الجيران من أصدقاء العائلة، الذي تصادف انه كان إمام مسجد الحي!.

وجاء على لسان الأب شرايحة: إن التعاون والتضامن بين اهل الكرك، وكذلك في العديد من المجتمعات الاخرى في الاردن، «يعكس الانسجام والتنوع الذي يثري ثقافتنا».

وقال: انه من النادر جدا ان يكون هناك ولد مسيحي اسمه محمد! لكنه واثق من هذه هي طريقة الله.

وهو يعتقد ان الله قد سخّره لمهمة خاصة، وهي تذكير الناس بهذه الوحدة غير القابلة للاختراق بين المسلمين والمسيحيين، وعلى نفس القدر من الاهمية بالنسبة له، يكفيه ان يبتسم الناس عندما يعرفون هذه الحقيقة عن الخوري!.

وفي المطارات في الدول الغربية، يقول الاب شرايحة للموظفين الذين يحتارون في أمره!! انه فقط في الاردن يمكنهم العثور على كاهن يُدعى محمد!! ويُصر على ان يُعرف بهذا الاسم!.

فقد اعتاد في المطارات في الخارج خصوصا، ان يتحقق موظفو الامن من عمله، حيث يقول: عندما اصبحت كاهنا، لم أغيّر اسمي، بل أضفت اسم الكهنوت اليه، وكثيرون لا يزالون يعرفونني باسم الأب محمد.

والدهشة تزيد عندما يعلم الناس ان أخاه الاصغر يدعى «احمد» اسم اخر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومما قاله أيضاً للباحثة السماعين: أعيش في مجتمع كشخص قريب من الجميع، ويعرفونني باسم «محمد المسيحي» أخدم الكل كي أحظى بمحبة الكل».

وأيضا: إن شعاري الشخصي مشتق من القديس بولس الرسول، الذي قال في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس (19: 9): «فإني أذ كنت حُرا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين».

أخوة الرضاعة في السلط!

وفي رواية لحكاية أخرى عن الاردنيين المتحابين عندما يتجاورون بالسكن في حي واحد.. فانهم كلهم يصبحون كالإخوان أو اخوان بالرضاعة- فكلنا من آدم وآدم من تراب-.

وقد سردت الباحثة على لسان «حابس هباشين» صاحب السبعين عاما، والذي يملك محلا تجاريا في سوق مدينة السلط:

لقد كانت السلط- ولا تزال- مُكونة من شطرين: الحارة والأكراد، وكان معظم المسيحيين يقطنون في الحارة، مختلطين بشكل رئيسي مع عشيرة العواملة المعروفين بعلاقاتهم الوثيقة بالمسيحيين.

وفي الحقيقة إن عشائر السلط المسيحية الثمانية كانت منضمة الى حلف عشائري مع العواملة في النصف الاول من القرن العشرين.

ويقول: كنا فلاحين بسطاء نعيش معا ونرتدي نفس الزي التقليدي ونتشارك في نمط العيش نفسه، فالحياة وادعة وهادئة دون مشاكل.

وعندما كانت امي وانا طفل رضيع، تضطر للذهاب للسوق للتبضع، حيث تقضي معظم اليوم، كانت تتركني عند عائلة جميل قمو وهو جار مسيحي، وعندما كنت ابكي كانت زوجة جميل ترضعني!!.

وكان الشيء نفسه يحصل عندما تغادر زوجة جميل المنزل، حيث كانت تتناوب مع امي التي كانت تُرضع اطفال الجارة في غيابها، مما جعلني واخواني واخواتي اخوة في الرضاعة مع ابناء قمو(حسب الشريعة الاسلامية).

وروت سيدة تطلق على نفسها اسم سكينة «ام عبدالله» حيث ذكرت انه في المجتمعات المختلطة دينياً كانت الرضاعة المشتركة عُرفا.. بحيث ينشأ اطفال الحي معاً اخوة واخوات.

وقالت ام عبدالله عن سيدة اسمها جوليا حداد، وهي مسيحية من قرية خربة الوهادنة قرب عجلون.. أنها اقامت بيت عزاء لأخيها المتوفي احمد الحجي، وكان مؤذن المسجد.

وذكرت ام عبدالله تقليدا اجتماعيا آخر كان يبرز العلاقات الاسرية بين المسلمين والمسيحيين.. فقد كان الاردنيون عموما يغطون العروس بعباءة رجالية يُقال لها البشت عندما تُسلم لعريسها يوم زفافها، والبشت عبارة عن عباءة احد اقرباء العروس القريبين مثل الوالد او الجد او الخال.. الخ.

وقد اعتاد اهل الحصن بالقرب من اربد ان تقدم العائلات المسيحية البشت لبنات العائلات المسلمة يوم زفافهن، وبالعكس كذلك، لإظهار ان الطرفين اسرة واحدة بغض النظر عن الدين.

تبادل مواقع دور العبادة

إنها عواطف جياشة وحب كبير..حتى تكاد العين ان تدمع لهذا التآلف الرائع وهذه الحياة المباركة من رب العالمين بين العائلات عندنا في الاردن الهاشمي بلد المحبة والسلام.

وذكرت الاعلامية رلى والحاصلة على الماجستير في تخصص صعوبات التعلم قصة أخرى على لسان فؤاد الفاخوري (65عاما) المالك لمطبعة في مدينة السلط التي ورثها عن جده، و بدأ العمل فيها بمنتصف السبعينيات.

إذ يقول: لكي اعطيك مثلا واحدا على العيش المشترك الفريد في حينا في السلط، أتذكر ان الارض التي بُني عليها المسجد كان يملكها مسيحي، والارض التي اقيمت عليها الكنيسة كانت لمسلم!.

وكنا نتشارك في كل شيء، وبيوتنا متقاربة، وفي ليالي الصيف الحارة كنا ننام جميعا على اسطح المنازل.. وعندما كانت العائلات تطبخ طعاما فريداً كانوا يهدون بعضا منه للجيران.

وذكر أيضاً: كان لعمتي فرن طابون- وهو فرن الخبز التقليدي المصنوع من الحجر والطين وكان الوحيد في الحي.. لذا كانت العائلات تتناوب على استخدامه، الجميع من مسلمين ومسيحيين على حد سواء.

وكانت هناك عادة التوأمة بين العشائر، واحدة مسلمة والاخرى مسيحية، فمثلا كانت عشيرة القطيشات المسلمة «توأم» لعشيرة الفاخوري.

وذلك يعني انه في المناسبات الاجتماعية من افراح واتراح، كان يتوقع من افراد العشيرتين ان يدعموا بعضهم البعض.. فيقومون بما عليهم من واجبات.. لا فرق بين هذا وذاك لخدمة الضيوف.

حتى في رمضان!

ومن ذلك أيضاً ما ذكرته الباحثة والناشطة في المواضيع الاجتماعية والسياسية وحقوق المرأة «رلى السماعين» عن بانا تادرس فنوش 95 عاما، والتي قالت لها:

كان جيراننا مسلمين من عشيرة العوايشة، وكنا نتشارك بكل شيء، ونطلب اي شيء نحتاجه من بعضنا البعض، لكن الاهم عندما كانت المرأة تضع طفلا، كانت النساء من كلا العائلتين يعتنين بها، حتى تقف على قدميها وتزاول أعمال البيت.

وتقول: لمدة 15 سنة كنت اصوم عشرة ايام من رمضان دون ان اخبر احدا، فقد اردت من ذلك المشاركة مع جيراننا المسلمين.

وخلال موسم الحصاد كان جيران لنا من عائلة القماز - وهم عائلة مسلمة- يرسلون لنا اثنتين من بناتهم لمساعدتنا في أعمال الحصاد.