كتب: خالد قوقزة

مصطفى والغربة

مصطفى... إبن حرّاث من حَرّاثي الحارات المنسيّة... عانى ما عانينا، من فقر وحرمان وقلّة حيلة... فالجوع أكل منه حتى شبع... وصحن المريس او مرقة العدس لم يفارقا وجبته لا صيفا ولا شتاء.. وشوك البُلان وشوك الفار وشوك دبُوس ابو حمار سكن في كعبية وأصابع قدميه، حيث صندل البلاستيك كان الحذاء الصيفي والشتوي الذي لم يقيهما شمس تموز وآب وسَفّير القمح والشعير، في حصيد حزيران وبرودة جليد الكوانين...

مصطفى كبقية فتيان الحارات المنسية (وهذا عزاؤه) لم يركب سيارة او يمتطي دابة، حين ذهابه للمدرسة فكان مشواره كعّابي.... ومصروف جيبة حتى وبعد ان كبُر لم يتعدَ شِلم البريزة (عشرة قروش) فكانت تُغطّي متطلباته من ساندويشة فلافل وقنينة كراش او آرسي من دُكانة علي الفرج وخمسة سكاير جولدستار فرُط من دُكّانة مصطفى الجبر......

حين كنا نتقي برد الشَراقي بجانب حيطان المدرسة كنا ومصطفى نتداول احلامنا.... مصطفى حُلمه السفر الى أميركا حيث العمل الذي سيوفر له تغطية مصاريف دراسته هناك...

مصطفى مثله كمثل راضي وغازي ومحمد خالد تمكن من إقناع أهله بالغربة... فلم يتحصل الا على ثمن تذكرة السفر ورسوم القبول ومصاريف قليلة لحين توفّر العمل.

انتصر حُلُم الغربة. فسرق منا مصطفى... وهناك انقطعت أخباره. فلا حس ولا خبر... سألنا عنه فقال من ذهب معه : انه حوّل لولاية أخرى ولم يروه بعدها... ومرت السنون فلا خبر من مصطفى يجلي الشكوك... فقالوا انفقد... وقالوا مات... مات ابوه وامه وكثير من ختيارية الحارة ولم يأتِ مصطفى ولم يأت خبر منه... فنسينا مصطفى كما نسينا الحارات القديمة وبيوت الطين والقناطر والحواكير التي كانت ملاذ همنا ومسرح ألعاب الطفولة.

مرت اربعة عقود من الزمن كانت كفيلة أن تنسينا الحارات ومصطفى.. ولكن مصطفى عاد وظهر من جديد في بلاد الغربة، فقد أصبح رب عائلة من اولاد وأحفاد. فالزمن قد اخذ منه نصيبا كبيرا.. والشيب غزا رأسه وشاربيه.. والتجاعيد غيرت من ملامح جبهته.. واللسان أصبح لا يقوى على النطق بلغة اهل حارته... فسَلَخته غربته عن بساتين الزيتون وكروم العنب والتين وأنْسَته توتة الحوش الكبير ونقيفته التي كان يصطاد بها عصافير الفسيسي والدويري.... وصار حُلُم مصطفى العودة للوطن والوقوف على اطلال الحارات المنسية وحواكيرها والتنعم بهواء رأس الماشوح والمرج وبيدر الحمص والمنارة.. ويصْهَد شاي على نار حطب سنديان الحروث وقيقب حبْلِة مُوطُّه... والإرتواء من ماء بُصّة إعليا وعين إمفَرِّج وعين الصَبَطَة... ويأكل لزاقيات ممعوسة بزيت بلدي وخبز كماج ورضافي من طابون دار ابو طه... ويفْغَم زر بندورة مع شراكة... ويُدرُم قلية وإقريش وبُطُم... ويتحلى جعيجبان وزبيب وخبيصة وقطّين إعسالي.... وينبط صحن مريس وشاكرية وجريشة.

عاد مصطفى للوطن فكانت فرحته أكبر من فرحة أهله وأقربائه... ولكنها كانت منقوصة... فالحارات التي تربى فيها ولعب فيها طميمة، وطاق طاق طاقية، وحناوي ذيل الواوي، وشمست شُمّيسة، لم يتبقَ منها الا الأطلال وذكرى الفقر وصندل البلاستيك وتوالي ختيارية يعانون من الزهايمر ورفقاء صاروا جدودا وأكل عليهم الدهر وشرب...

لم تدُم زيارة مصطفى كثيرا. فعاد الى أهله في الغربة... لكنه عاد وقد تَلصّم بشماغ الوطن.. وبحوزته إسطوانات من أغاني التراث لعلها تبقيه على إتصال مع وطن أصبح غربة له..... وتُذكّرة بحارات نسيها الزمن....

آآخ يا زمن.........