بغداد كما دمشق والقاهرة وقبل أن تنشأ الجامعات في الأردن كان لهم الفضل الكبير في استيعاب وتدريس عدد كبير من الطلبة الأردنيين وغالباً كانت الدراسة بالمجان، وأحياناً في بغداد والقاهرة، مع مصروف يكفي لطالب.

انهينا السنة الأولى بنجاح متميز، واستلمت مخصصات بعثة أربعة شهور ستين ديناراً عراقياً وهو مبلغ كبير بالنسبة لنا في عام اربع وستين. لا أدري لماذا فكرت بعمل (معرش) خضروات وبطيخ مقابل مدرسة يرقا الحالية حيث كانت الأرض خالية وبمبلغ بسيط، كنت أنزل إلى منطقة الغور وأشتري سيارة بطيخ، أضعها في (المعرش)، أستوفي ثمنها ثم أضع الباقي في أكياس وأرسله إلى حسبة السلط، ربحاً، كان الربح في نهاية العطلة الصيفية حوالي ثمانين ديناراً بالإضافة إلى خضرة وفواكه البيت، و كان ذلك رقماً كبيراً بالنسبة لي.

بدأنا نعد العدة للرجوع إلى بغداد، و أخذت معي (شكوة لبن) نعم (شكوة لبن) كي نعد المنسف لطلاب السنة الأولى، أخذنا طناجر الطبخ والسدور، من البيوت المجاورة، كان جامعنا اسمه جامع العساف ويخطب فيه مفتي العراق، ويصلي فيه عبدالسلام عارف، كان هناك بستان مضاء بين راغبة خاتون والأعظمية، كنا نقرأ فيه أحياناً، تحت شجر النخيل.

جرت في هذه السنة انتخابات اتحاد الطلبة في العراق، ودون إعلانات أو لافتات نجح الحزب الشيوعي تقريباً في كل كليات العراق، بما فيها اثنان في كلية الشريعة، قررنا الاحتكاك نحن والبعثيين بالحزب الشيوعي واخترنا كلية الهندسة في باب المعظم مكاناً للاحتكاك، و منعنا الطالبين اللذين نجحا في كلية الشريعة بمساعدة عبدالملك السمين اللحام في الأعظمية من دخول الكلية، هكذا كنا نفهم الديمقراطية.

عندما كانت النقود تخف، كنا نشتري الطحال آخر الشهر من عند اللحام، ونقول انها (للبزازين) أي (القطط) لأن الشيعة لا يأكلون الطحال، أذكر قصة القط الشقي، حيث اشتريت نصف كيلو لحم، وعندما أذن لصلاة المغرب ذهبت للصلاة، رجعت وكان القط قد أكلها، ولم يهرب، فقد جلس على الشباك ينظر الي، ويقول ها أنا ذا، ماذا أفعل، أكلنا مما هو موجود، كان كيلو اللحم لا يتجاوز أربعين قرشاً، والحياة بسيطة ورخيصة، والمواصلات رخيصة، الباصات بلونها الأحمر ذي الطابقين كباصات لندن، أحياناً نكون مع آخر باص الساعة الثانية عشرة دون خوف حيث الأمن مستقر، الطلبة في القسم الداخلي يلتقون عند الظهر، الطبخ كان على (البريموس) وليس على الغاز، كان السكن مؤمنا والتدفئة، و كانت امرأة تأتي مقسمة الغرف على الأسبوع لغسل ملابسنا، وهناك حديقة للقسم الداخلي كنا نجتمع فيها، كنا نمثل جامعة شعوب عربية حقيقية، إنه زمن الآمال والأهداف الكبيرة.

drfaiez@hotmail.com