جمال عياد

ليس كل مسرحية يمكن مشاهدتها، تترك في دواخلك أثراً بالغاً، لكن هناك مسرحيات ترافقك وانت تخرج من المسرح، تظل لفترات طويلة في ذاكرتك تهجس برسائل ومعان، خاصة في تناول المسكوت عنه سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

تحاكي «قلادة الدم» إخراج د. مجد القصص عن نص للأديب هزاع البراري والتي تستمر عروضها على مسرح هاني صنوبر، في المركز الثقافي الملكي، حتى 12 من الشهر جاري، فضاءات الواقع ضمن سياقات استرداد حقوق الشعب الفلسطيني، والمآلات التي انتهوا إليها.

حضرت محاكاة المسرحية في قوالب من الصياغة الفنية والرمزية الراقية، وهي تطرح ما يهجس به من سار على طريق التحرر مع أسئلة المرأة في الحروب، والفراغ الذي يتركه الرجال في رحلة الدفاع عن الوطن، وخساراتهم لدفء عائلاتهم، مثلما أظهرت معاناة من بقي منهم أحياء حيث يجدون الزنازين تنتظرهم بدلاً من احتفاء مجتمعهم واحتضان ابنائهم.

تركز المعالجة الدرامية في المسرحية، على خسارات النساء، أكثر من الرجال، كونهن تُركن لسنوات طويلة في ظل واقع اجتماعي ضاغط.، فالحكاية السطحية لنص العرض استعرضت حياة الشاب (منصور) جسده الفنان زيد خليل مصطفى، الذي فضل مشاركة رفاق دربه النضال على الاستمرار في مسار حبه للمرأة الأولى والأخيرة في حياته (وفاء) جسدتها الفنانة مرام أبو الهيجاء.

بالمقابل جاءت شخصية المرأة ضحية لحبيبها الرومانسي الثوري، الذي تركها تنتظره، إلى أن عاد خائر القوى بفعل أساليب التعذيب المختلفة التي مورست عليه اثناء احتجازه في الزنازين. ومن جهة أخرى جاءت شخصية (وفاء) كإحدى ضحايا معارك الاحتراب الداخلي في بعض المجتمعات العربية.

برع الممثلون جميعاً في تجسيد أدوارهم، سواء عبر أدائهم الفردي أو الثنائي أو الجماعي، كما عمقت اللوحات الراقصة لكلا المؤديين آني قرة ليان وربيع فيصل الشروف، مناخات المشاهد واللوحات المتعاقبة للعرض.

بصرياً، حضرت في معظم المشاهد ثنائية اللونين الأحمر والأسود، المعبرين عن حالة الفضاء المسرحي الذي كان يعج برؤى التوتر والشحن الدرامي من خلال وجود اللون الأحمر في نقوش وخطوط أزياء ملابس الشخوص، وأسطح الديكور التي صممها طلال سعيد في الأبواب الثلاثة والطاولة والكاونتر، والمفاتيح المعلقة على الباب الأول من يمين المسرح.

كما حضر أيضاً اللون الأسود مجاوراً للون الأحمر في كل الأزياء التي صممتها القصص نفسها، ونفذتها فكرية أبو خيط، والمفردات الديكورية السابقة الذكر، فكانت جماليات اللون الأحمر تعاضد فكرة الرومانسية الثورية التي كانت تتحلى بها شخصية (منصور)، ليعاكسه (جدلاً) اللون الأسود بمفهوم (هيغل) صاحب الفكر الفلسفي الثوري المثالي، فكان اللون الأسود يجسد في السياق الرمزي الواقع بمراراته ونكوصاته، وخيبات الأمل الدائمة في حياة هذه الشخوص التي تمثل شرائح واسعة جداً من شعوب عالم الجنوب الفقير.

سمعياً؛ جاءت مجمل تقنيات الصوت، بنفس الحضور القوي للتقنيات البصرية في مستوى جمالياتها وبخاصة الموسيقى التصويرية لمراد دمرجيان، والتي جسدت الآم فقد الوالدين والحبيب لدى (وفاء)، وشبابها الذي أفل في انتظار لا طائل منه.

ولا ننسى المشاركة القوية لمختارات قوية في دلالاتها لأغان للرحابنة من أغنيات فيروز؛ (سنرجع يوماً إلى حينا)، وأغاني مرسيل خليفة (قلبي قمر أحمر.. قلبي بستان)، والتي أشرف عليها تقني الصوت خالد خلايلة.

وبعد محاولة تفكيك هذا العرض، الذي عمل فيه نضال جاموس مساعداً للمخرجة، يجد المتابع لهذا العرض، المدى الواسع الذي بلغته المخرجة القصص في قدرتها على صياغة رؤى جمالية طرحتها عبر فضاءآت لا تخلو من تشويق وتوتر، الأمر الذي يعزز التطور المتسارع في كل تجربة تقدمها القصص، التي برعت فكريا في استنطاق ظواهر سياسية وإنسانية تهم الجميع.

ناقد مسرحي