د. عامر العورتاني

لطالما كان التنوع سمة من سمات المجتمع الإنساني، وهي السمة التي كفلت للإنسانية ثراء مجتمعها الكبير والسير في ركب الحضارة البشرية. ولا شك أن ما نعيشه اليوم من ثورة غير مسبوقة في نقل المعلومات والإتصالات قد عملت على تقليص الحدود بين المجتمعات مما ضاعف من فرص التفاعل بين أفرادها، إلا أن هذا التفاعل لم يكن إيجابيا طوال الوقت وإن ما شهده العالم من أحداث في السنوات الأخيرة لأكبر دليل على انتشار مفاهيم العنف والرفض والإقصاء، إذاً فنحن أحوج ما نكون اليوم إلى نشر ثقافة التسامح وتعميق عوامل التعايش وتقبل أفكار الآخرين على اختلاف الثقافات والإنتماءات.

والتسامح يعني تحمل الممارسات والعادات التي تختلف عما يعتقد به الفرد، وهو في اللغة مرادف للّين والتساهل، وهو بالضرورة لا يعني التنازل عن المعتقد أو الخضوع والمساومة، وإنما يعني القبول بالآخر والتعامل معه على أساس من العدالة والمساواة بغض النظر عن أفكاره وقناعاته ، والتسامح سمة من سمات الشخصية تتضمن القبول بالتنوع الموجود بين أفراد المجتمع ومقابلته بالود والتقدير والإحترم.

وأحد العوامل الرئيسة التي قد تقود الفرد إلى تبني قيم غير متسامحة اتجاه كل ما يخالفه في المجتمع هو الإنطباع الاجتماعي الذي يتعرض له الفرد من البيئة المحيطة به وانعكاسات ذلك على أفكاره ومعتقداته، حيث يكتسب الطفل خبراته الأساسية في السنوات الأولى من حياته، ثم تتبلور لديه الأفكار والأحكام التي إكتسبها من المحيط الذي يعيش فيه في سن المراهقة، وهو يكتسب هذه الأفكار إما عن طريق التقليد أو بشكل مباشر ومقصود.

وهنا تأتي أهمية التنشئة الاجتماعية من أجل الارتقاء بمستوى التسامح لدى أفراد المجتمع بدءاً من الأسرة ومروراً بالمدرسة ووسائل الإعلام، حيث تعتبر الأسرة أهم عامل إجتماعي في حياة الطفل وأول محيط يتفاعل معه ويكتسب منها سلوكياته وأفكاره، فالطفل لا يولد بمعتقدات وأفكار سلبية اتجاه فئة أو جماعة معينة، ولكنه يكتسبها من الوالدين والأسرة التي يعيش فيها، فالطفل ما هو إلا نتاج البيئة التي ينتمي إليها.

وإن اكتساب ثقافة التسامح يبدأ من الأسرة أولاً، فالبيت الذي يغيب فيه النقاش والحوار خلف شخصية الوالدين اللذين يجدان في فرض آرائهما طريقاً سهلاً لإدارة الأسرة هو بيت لا يؤمن بتنوع الأفكار واختلاف الشخصيات بين الأبناء، وهو بيت تسوده سلطة أحادية وجدت بالفطرة ولم تؤمن بالتعددية والحوار وتقبل الاختلاف، وهو لا شك بيت واهن تضعف فيه الروابط والعلاقات، وتشوبه أجواء من الخلاف والترقب الذي قد يتطور على مر الزمن لينشئ شرخاً في شخصية الأبناء ينتقل معهم إلى المجتمع الخارجي فلا يجدون سبيلاً لإثبات ذاتهم إلا عبر الصراخ والعنف وأنماط سلوكية لا تعرف حدود حرية الآخرين ولا تتقبل الاختلاف والتنوع.

إن ثقافة التسامح ليست فطرة يولد بها الطفل، وإنما هي حصيلة لممارسات عملية مر بها الطفل في حياته ، إذاً فدور الوالدين بالغ الأهمية في تشكيل البيئية الحرة الأولى التي تُغرس فيها قيم التسامح وإحترام الرأي الآخر لدى الأبناء لإيجاد جيل قادر على التعايش في المجتمع الإنساني الكبير المتنوع الثقافات .

أخصائي علم الإجتماع / علم الجريمة