أبواب - فاتن عبيدات

في الجامعة وقبل تقدمها للامتحان، تقف الطالبة «نسرين» على أعتاب القاعة خائفةً متوجهة إلى مقعدها لتجد - وعلى الرغم من دراستها الجادة والطويلة للمادة- أن امتحانها الذي تواجهه الآن أكثر صعوبةً من أي ظرف قد مر عليها في حياتها.

بدأ قلبها بالخفقان مع تسلم ورقة الامتحان مسترجعة ذكرياتها في التعامل مع مجموعة مذهلة من المصطلحات والمفاهيم، والتي لم تشفع لها في تلك اللحظة عند خوفها غير المبرر، فبدأت في التعرّق عند مطالعة الأسئلة، وانتابها التوتر والقلق الحاد ليشتتها بين التركيز في امتحانها والانشغال بمخاوفها حول النجاج او الفشل. يمر الوقت، وتقل فرصتها في السيطرة على الأمور مع زيادة حدة التوتر والقلق، الأمر الذي استهلك النصيب الأكبر من طاقتها الذهنية لمواجهة انفعالاتها واضطرابها غير المعهود، وبدلًا من الانشغال بتوفيق معرفتها مع الأسئلة بدأت في القلق حول الخيارات المتاحة لها في حالة الفشل.

أنهت امتحانها وسلّمت الورقة، ورحلت دون أن تراجع كلمةً مما خطّت في إجاباتها.

الإخفاق التعليمي، الحروب والخيبات الاجتماعية جميعها أوصلت العديد من الشباب العربي إلى درجات سيئة من القلق والتوتر.

وفي دراسة حديثة تبين ان الاكتئاب ويليه القلق يعدان من اكثر الامراض النفسية في العالم العربي. وترتفع هذه الارقام في الدول التي شهدت حروباً.

يقول يحيى العلي 24 عاما مهندس معماري انه يعاني منذ مدة من قلق مزمن ويعلم انه مصاب بالقلق المرضي لدى مراجعته لطبيبه النفسي حيث انه لا يستطيع الهروب من المخاوف التي تطارده في كل وقت، فيشعر بالقلق والتوتر عند التفكير بالمستقبل وهذا سبب له اضطرابات في النوم والانقطاع عن الطعام لايام نتيجة شعوره الدائم بالغثيان.

ويعرف استشاري الطب النفسي الدكتور احمد بني ملحم القلق بأنه حالة فسيولوجية تتركب من تظافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية لخلق شعور غير سار يرتبط بعدم الارتياح والخوف او التردد كالخوف من الموت، حيث يشعر الشخص بالهلع عندما يفكر في موته او انه تحت التهديد بخطر ما قد يهدد سعادته او يهدد حياته أو نجاحه بالحياة.

ويشير بني ملحم إلى اكثر اعراض القلق وهو التوتر الشديد، الارتباك ولربما رعشة شديدة بأطراف الجسم.

وقد يعاني المريض من الصداع الشديد وكذلك من تسارع في دقات القلب وحالة من الحزن وضعف في الشهية وقلة النوم وكذلك بعض حالات نتف الشعر وقضم الاضافر ومص الأصبع خاصة لدى الأطفال، او ادعاء الامراض واعتبارها مبررا للفشل أو للحصول على العاطفة من قبل المحيطين.

ويلفت بني ملحم أن نسبة انتشار هذه الحالة المرضية واسعة.

ويضيف بني ملحم ان هناك حالة تسمى القلق الطبيعي. فالفتاة التي يتقدم لها اثنان من العرسان احدهم جميل الشكل والاخر غني فيحصل لديها صراع داخلي بأمرين ايجابيين فأيهما تختار فهذا قلق نفسي طبيعي مبرر على سبيل المثال وقد يكون الصراع بين امرين سلبيين كأن نرسل جنديا للمعركة او نهدده بدخول السجن فالامر هنا مختلف فالصراع ايضا سيئ وقد يسبب حالة شديدة من القلق.

وينبه بني ملحم ان ما يعانيه ابناؤنا من القلق بفعل الامتحانات هو أمر طبيعي معللا الاسباب التي تتعلق بالاهل والمجتمع والمدرسة لأن فشل الطالب ينذره بالعار وبنهايته. وكثيرا ما نجد طالباً مجتهداً ولكنه أخفق في تحصيله الدراسي لان حالة التوتر لديه قد أصمت الذاكرة حيث اصبح غير قادر على استرجاع شريط المعلومات الموجود بذاكرته، وعلى العكس فقد نجد طالبا اقل ذكاء وحصل على علامات اكثر من الطالب الذكي لان مستوى الاستقرار النفسي كان العامل الاهم بالنسبة اليه.

وينصح بني ملحم الأهل والمدرسة والكادر التعليمي على تهدئة الطلاب قبل الامتحان بالإضافة للنوم الجيد قبل الامتحان و عدم تناول اي علاج دون وصفة طبية للتعامل مع القلق الا بأمر الطبيب والحذر من تناول السجائر والمنبهات كمنظم للمشاعر لانها تؤثر سلبا على حالة التركيز لدى الطالب.

القلق وتأثيره الاجتماعي على الاخرين

يؤكد استشاري علم الاجتماع الدكتور فيصل غرايبة ان القلق والتوتر اذا كان مستمرا فإن له انعكاسات سلبية على تصرفات الشخص وتفاعله مع الاخرين وعلى مدى ردود فعله واستجاباته للتعامل مع الغير مما يشكل ازعاجاً للاخرين ويفهم على انه نوع من التكبر والتعالي ومن جهة اخرى يعد سلوكا سلبيا يؤثر على علاقة الإنسان بالآخرين بالابتعاد عنه والنفور منه.

ويشير غرايبة الى ان القلق الدائم يفضي الى الاكتئاب الدائم لدى صاحبه مما يحد من تفاعله الاجتماعي ويقلص من انتاجه العملي وإبداعه الايجابي.

ويلفت غرايبة الى ان القلق قد يكون حالة مرضية اذا لم يتدارك الانسان نفسه ويستبدله بكثير من الاقبال على الحياة والثقة بالنفس والتواد مع الاخرين.

انتهاء القلق والتوتر بزوال الحالة

حيث يبين غرايبة ان كثيراً من حالات القلق هي حالات عابرة ناتجة عن مأزق ما في حياة الانسان فعادةً ما يساور القلق طلاب المرحلة الثانوية وغيرهم، او اذا ابلغ شخص عن مرض عضال واجراء عملية جراحية او في حالات التعسر المالي لبعض الاشخاص بتهديد حياتهم الاقتصادية.

ويؤكد غرايبة على انه ممكن معالجة اضطرابات القلق بالتفاؤل والارادة والتصميم على تجديد الحياة حيث ان التفاعل كفيل ان يزيل حالات التوتر بأن يدعمها بالطالعة الهادفة والعبادات والاقبال على المناسبات السعيدة بعيدا عن ضغوطات العمل والحياة.