أبواب - وليد سليمان

الشاعر الأردني الكبير عبد المنعم الرفاعي صاحب النشيد الملكي الشهير

والذي مطلعه: «عاش المليك عاش المليك سامياً مقامه في المعالي أعلامهُ...» يروي في مذكراته عن عمان القديمة قائلاً: كانت عمان قديماً وادعة سمراء, يسقيها سيل ينبع من رأس العين, وتتخللها سوق تجمع أطرافها في ثلاثة شعاب, وتتعرج إلى بعض المنازل في جبالها أدراج مرصوفة أحياناً, وأحياناً يعبدها السير على الأقدام, وتغمرها طيبة الحياة والقناعة بالعيش, وأصالة تمددت في نفوس أهلها الشمائل والمروءات.

عمان مربع الصِّبا

وكان الشاعر عبد المنعم الرفاعي قد سبق غيره في الإشادة بعمان مربع الصبا والشباب, فقد زاوج بين نفسه وبين عمان المدينة الحبيبة, إذ يحيلها إلى واحة تتراقص فيها خيالات العنفوان في حبٍ صوفي فيقول:

عمان يا حلم فجر لاح واحتجبا

عفواً إذا محت الأيام ما كتبا

تطاولت فيك أشباه الرجال فما

فيك من منبرٍ إلا أنكر الخُطبا

حاشا لحبك إمّا جئتُ أذكرُه

أو أقبل الشك يوماً فيه والرِّيبا.

لمَّا شربنا من رأس العين

وقد تعلق الشاعر الرفاعي بعمان وجبالها وبماء رأس العين أكبر نبع فيها, وبكراسي القش وحجارة النرد والشطرنج في نواديها, وهو في الأبيات التالية يرسم صورة عن ساحة سوقها عندما كانت قرية فيقول:

حاشا لصرحك أن يميلا

وبنيت فيه هوىً طويلا

فتحتُ أجفاني عليكِ

أضم فيكِ سناً جميلا

لما شربنا عند رأس

العينِ ماءكِ سلسبيلا

كانت ضفاف السيل

منزلنا المحبب والمقيلا

في ساحة السوق الصغير

ندورُ نمتلكُ السبيلا

شهدتْ كراسي القش

كم سكبتْ لنا رُطباً بليلا

شهدت حجار النرد

والشطرنج مجلسنا الطويلا.

منازل ضفتي السيل قديماً

وفي مذكرات أخرى يتطرق المحامي «هاني الدحلة» للحديث حول عمان فيقول:

كانت مدينة عمان قديما مشهورة بسيلها المتدفق بالمياه، حيث كان يُعرف أيام حكم الرومان بنهر فيلادلفيا، وقبل نحو قرن من الزمن كانت الاشجار الباسقة والمزروعات من خضار وفواكه منتشرة بكثرة على جانبي هذا السيل او النهر الطويل، ومنبع مائه الاساسي من منطقة رأس العين.

وسكان عمان في فترة ستينيات القرن الماضي وما قبل ذلك كانوا يجدون صعوبة في اجتياز هذا السيل الهادر شتاء.. لأنه كان يفصل عمان الى منطقتين رغم وجود بعض القناطر او الجسور الحجرية من رومانية وعثمانية، الا انها كانت قليلة وضيقة ويصعب السير عليها.

وقبل انشاء السقف الاسمنتي فوق سيل عمان في منتصف السبعينيات كانت هناك في عدة مناطق متفرقة بعض الجسور الحديثة نسبيا والقديمة المعروفة والتي اختفت!! عندما غُطي السيل بشارع طويل جداً يمتد من اول وادي عبدون الى منطقة المحطة، ومن هذه الجسورالتي كانت فوق سيل عمان: جسر المهاجرين، وجسر العسبلي، وجسر رغدان وجسر الحَمَّام.

وعن احد هذه الجسور وهو جسر الحمام يقول الدحلة: لقد كان هذا الجسر منتصبا فوق سيل عمان في المنطقة ما بين اول وادي سرور- حيث سوق الجمعة للطيور- وقرب سوق الخضار بجانب سينما الحمراء.

وفي الثلاثينيات والاربعينيات كان جسر الحمام الحديدي الضيق لا يتسع لمرور السيارات عليه!!! بل فقط لمرور المشاة وبعض الدواب.

ومن كثرة شكاوى اهل هذه المنطقة الذين يسكنون شارع الطلياني ووادي سرور والمناطق المجاورة بأن السيل عندما كان (يحد) اي يفيض يصبح مثل سد كبير لا يمكن تجاوزه!! مما يضطر الناس إما الذهاب غربا الى جسر المهاجرين او شرقا الى جسر العسبلي بجانب المدرج الروماني، وكان ذلك يكلف وقتا وتأخيرا لاعمال ومواعيد الناس واصحاب العمل!!.

لذا بعد ذلك اضطرت بلدية عمان لإزالة هذا الجسر الحديدي بجسر اسمنتي اوسع في خمسينيات القرن الماضي.

ويذكر الدحلة البيوت والمباني التي كانت تقع على جانبي وبالقرب من سيل عمان.. فمن جهة اليمين كانت وما زالت الكنيسة الارثوذكسية ما بين السيل وشارع الطلياني, حيث تواجدت بالقرب منها بيوت مثل بيت «جانبك» وهو رجل شركسي، اشتهر منزله بحديقته الجميلة، ويليه بيت احمد زايد المصري وهو من تجار عمان.

الذي انتقل من السيل لجبل عمان

ثم كانت هناك بيوت اخرى لكل من: عبد الغني ورشدي الدحلة، والأخيركان موظفاً في البلدية–ما يعرف الآن بأمانة عمان الكبرى- وكان مسؤولا عن عدادات المياه في عمان, يقرؤها ويكتب الصرفيات ويقبض الثمن.. ومنزل احمد سلامة كهربائي السيارات، وبيت الوالد محمد اسعد الدحلة، وبيوت اخرى لنايف علوش، واخيه وهما تاجران.

وكذلك بيت محمد الشركسي وأمه وجهية، وبيوت ومنازل أخرى للحاج عبد الرحيم البوز، والحاج عبد اللطيف البوز، وسليمان المعلواني وهو شيخ كان يدرس الأولاد الصغار في احدى غرف منزله، وعلي المعلواني وهو تاجر كان محله في شارع الملك طلال قرب الجسر، كذلك منازل لعائلات ابي جسار والبطيخي والطبل.

أمَّا فوزي الدحلة فقد رحل فيما بعد من هذه المنطقة الى جبل عمان، وبنى بيتاً قرب مدرسة المطران، وكان اول من سكن في محيط تلك المدرسة–حتى ان رقم عداد المياه في منزله الجديد حمل الرقم (6)!! وكذلك رقم عداد الكهرباء لديه كان يحمل الرقم (9) !! ورغم ان منزله هذا قد تم بيعه من الورثة الى آخرين..إلا ان الرقم لا يزال باسمه حتى الآن، اذ حافظ المشترى عليه للذكرى!!.

محمد العربي ونديم الملاح

ويشير كاتب المذكرات وأمين عمان بالوكالة سابقا هاني الدحلة الى البيوت والعائلات العمّانية التي كانت تسكن على يسار سيل عمان مثل:

الشيخ محمد العربي إمام المسجد الحسيني، ونديم الملاح الذي كان قديما قاضيا للقضاة، وآل الحلبوني حيث صار منزلهم الكبير مقراً للمتصرفية، وآل الشوربجي، وجنبلاط، وأيوب الشركسي، والحاج حسن, والمفتي وكان منزلهما لا يبعد عن السيل سوى عشرين متراً.

وكأنه نهر صغير

وفي لقاء مع خالد ملحم تحدث حول ذكرياته عن سيل عمان الطويل وما كان يحيط به بقوله :

قبل السبعينيات من القرن الماضي كان شارع سقف السيل- في وسط البد- والمعروف الآن بشارع قريش مكشوفا تجرى فيه مياه سيل عمان الشهير وكأنه نهر صغير.

ويمكن تحديد هذه المنطقة سقف السيل بوسط البلد من عند جسر المهاجرين حتى الوصول الى مكتبة الامانة او المدرج الروماني.. والآن يشتهر هذا الشارع بأرصفته العريضة المسقوفة وبأقواسه الشرقية المميزة.

وحول هذا الجزء من جانبيْ سيل عمان البسيط والأليف منذ بداية الخمسينيات يقول ملحم: لقد كانت تلك المنطقة تعج بالنشاط والحيوية والتواصل الاجتماعي و الاقتصادي لأهل عمان.

جسر المهاجرين

وكان هناك في تلك الفترة القديمة رصيف قوسي يربط بين اول شارع الطلياني واول شارع الملك طلال.. وفي منتصف هذا الرصيف كان هناك سوران قصيران نقف نحن الأولاد الصغارونضع مرافقنا على أحدهما وننظر للاسفل حيث سيل عمان.. اما المكان الذي كنا نقف عليه فقد كان جسر المهاجرين الذي كانت تسير عليه السيارات, والجسر يربط ما بين اول شارع طلال و بداية شارعي رأس العين وشارع المصدار.

فكنَّا نقف مليا ننظر إلى هذا السيل المتدفع والهائج بمياهه الطينية اللون في فصل الشتاء.. والصافية اللون في الفصول الأخرى، وكان من حول هذا الجسر يقع مخفر المهاجرين, ثم بعض المطاعم والمحلات وفرن خبز المشروح (والذي ما زال موجودا حتى هذه اللحظة).

وبتلك المنطقة كانت هناك المكتبة الشعبية الشهيرة مكتبة فوزي الحكيم, الذي كان لديه كل ما يخص الطلاب والشباب والشابات من الاكسسوارات المتنوعة وكلف الخياطة والمكياج والكتب والمجلات والقرطاسية المدرسية.

ويتذكر ملحم أيضاً بقوله: وفي بعض الايام وأنا شاب صغير كنت أشتري جريدة الدفاع الاردنية من مكتبة الحكيم واذكر ان ثمنها كان قرشا ونصف القرش.. وفي بعض الشهور أداوم على شراء مجلة العربي الكويتية.

وخلف مكتبة فوزي كانت هناك مطبعة شعبية قرب السيل- مدخلها من أول شارع الطلياني- تطبع بعض الكتب ومنها كتب الاناشيد المدرسية..ونذهب اليها لشراء كتب الهداية (تفسير لكلمات وسور القرآن) وكان هذا مطلوبٌاً منا مدرسياً وبشكل جاد لا تهاون فيه.

دخلات تؤدي الى السيل

وكانت هناك عدة دخلات وممرات وادراج صغيرة تؤدي الى جانبي السيل وما حوله.. وهذه الطرق تربط وتصل منطقة السيل الواسعة بشوارع طلال والطلياني والجوفة وشارع الهاشمي.. ومن احد هذه الطريق الفرعية دخلة سينما دنيا الشعبية لعرض الافلام العربية والاجنبية بتذكرة واحدة.

وقرب دخلة أخرى كان هناك رجل كبير السن سمين الكرش يفرش على الرصيف المطل على السيل قطعة من القماش (منديلاً) فيه رمل ناعم, حيث يتعامل بفتح الطالع والاسرار والاحوال!! وكان يأخذ اجره حوالي ربع دينار؛ فالمهموم ومن لديه مشكلة لا يعرف حلها يلجأ اليه ويدفع اكثر من ذلك ايضا.. واذكر ذات مرة انه قرأ لي طالعي وبختي وقال لي اشياء قريبة من الواقع!.

وظل هذا العجوز فتَّاح الطالع والبخت سنوات طويلة يفرش منديله الرملي الذي كان يحركه بأصابعه ثم يأخذ بسرد الاشياء لزبائنه المقرفصين بجانبه باهتمام شديد, حتى اختفى مع بداية السبعينيات تقريبا.

عند ماء السيل

وعند اجتياز هذه الدخلة نحو فضاء وضفة السيل كان لا بد من مشاهدة العديد من المعرشات والاكواخ القماشية ثم من الصفيح التي تخصصت ببيع ملابس البالة المعروفة برخص اثمانها.. ومن خلفها على ضفة شارع الطلياني كانت وما زالت ربما اقدم كنيسة في عمان وهي الكنيسة الارثوذكسية.

ومقابل الكنيسة على ضفة السيل الاخرى القريبة من سوق الخضار كانت الحياة تدب فيها اكثرمن أي منطقة اخرى في قاع المدينة.. حيث هناك كانت تعرضت وتباع جميع الاشياء المنزلية التي تخطر ولا تخطر على البال.. وجميعها من الاثاث والادوات المستعملة.

وليس ذلك فقط فهناك كان حلاقو الهواء الطلق حيث يجلس الشخص على كرسي قش صغير او تنكة فارغة او حجر!! والحلاق يحلق لهذا الشخص شعره او ذقنه بأجرة بسيطة تصل الى (5) قروش.

ويتابع ملحم: واذا تعدينا سوق الخضار والذي كان هناك طابق تسوية تحت مستوى الشارع–حيث كان فيه سوق للسقط اي الكرشات » وقد حلَّ مكانه الآن حمام النصر الذي انتقل من شارع سينما الحمراء الى هذا المكان شبه المخفي.

ويقول: وبجانب السيل كنَّا قديماً نشاهد جسرا علويا معلقا فوق عرض السيل وهو جسر الحمام الشهير.. وكان تحت الجسر يقام سوق اسبوعي–يُسمى سوق الحلال- للمواشي لبيع وشراء الاغنام والابقار والجمال والحمير...الخ.

نبعات الماء

واستمراراً بالمسير بمحاذاة هذا السيل المكشوف قديماً سنصل الى منطقة–طلوع موقف سرفيس جبل الجوفة الآن- كان من حولها عدة نبعات ماء يتجمع الناس للشرب والاغتسال ونقل الماء الى البيوت ولسقاية الدواب كذلك.

وعند سبيل الحوريات كانت هناك بقايا قنطرة جسر حجري مقوس روماني قديم يسير عليه بعض الناس لإجتياز هذا السيل.. وبالقرب منه مصنع كازوز سحويل القريب من السيل.

وكانت تلك المنطقة وما بعدها قرب المدرج الروماني في اعياد الفطر والاضحى تمتلئ بالالعاب مثل المراجيح والاطفال والناس وباعة الحلويات والشراب والموالح ومواد اخرى.

بساتين وحوَّامات للسباحة

وهناك بتلك المنطقة حول سيل عمان كانت الضفاف والبساتين الجميلة والكثيفة تزهو بمزروعات الخضار وأشجار الفاكهة والاشجار العالية الجميلة التي تزين منطقة السيل من جانبيه.

وبعد ان اختفى السيل بتغطيته بشارع طويل من فوقه.. خسر الاولاد وشباب عمان مناطق السباحة الطبيعية مثل الحوامات, ومن متعتهم بصيد الاسماك من سيل عمان،ومن لعب كرة القدم على ضفافه الواسعة في بعض اماكنه هنا وهناك.. فقد كانت كرة القدم من اشهر التسالي لشباب عمان ان لم تكن هي التسلية الوحيدة قبل انتشار السينمات في عمان.

سقف السيل الآن

وعن وقتنا الحاضر يشير ملحم الى ان شارع سقف السيل ظهرت فيه العديد من المحلات والعمران والمصالح التجارية والخدمية الجديدة ومنها مثلا:

مطعم ابو موسى للكرشات والاطراف, ومحلات بيع الاثاث الجديد والمستعمل, وباعة الانتيكا القديمة الذين يفترشون بضائعهم الزهيدة في المساء وايام الجمعة, وكذلك انتشار محلات بيع الاجهزة الكهربائية الجديدة, وظهور السينمات: سينما غرناطة التي ازيلت نهائيا, وكذلك سينما ريفولي التي تغلق ثم تفتح بين فترة واخرى في حالة تردد وخسارة، وحمام الهناء بجانبها، وعدة بنوك شهيرة افتتحت في شارع الاقواس الجميلة.

وهناك نشاهد الآن حديثا في هذا الشارع ايضا محلات التحف والبازارات, وبيع الخلويات الجديدة والمستعملة, ومصلحي الاحذية, وبعض اكشاك الكتب والمجلات والمكتبات ومن اشهرها مكتبة دنديس, وفرع خزانة الجاحظ،وبعض المقاهي الشعبية, ومحلات باعة ومعامل صنع السكاكرالشعبية كالملبس والحلقوم (الراحة) والكعيكبان والقمبز...الخ, ومحلات القشطة بالعسل وغير ذلك.