أبواب - تالا أيوب

يجبر الآباء أبناءهم على عدم إفشاء أسرار المنزل للآخرين، فيلفتوا انتباههم الى الأمور التي من الممكن أن يصرّحوا بها للغير ، ويجنبوهم البوح بأخرى، وأحيانا يتعدى الأمر الى عقابهم في حال إفشاء أي من الأسرار و التي منع التكلم عنها.

ولكن، لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى، فهل يلتزم الآباء بعدم إفشاء أسرار أبنائهم؟ هل يعرفون بأن ذلك يؤثر على صحتهم النفسية؟ و هل يميزون بما يصلح البوح به للآخرين وبما يلزم التكتم عليه؟ أسئلة طرحها «أبواب-الرأي» على عدد من الأشخاص، فأجابت رغده عادل -وهي أم لثلاثة أطفال-: أحيانا يتأثر أبنائي عندما أتحدث بما يتعلق بهم للآخرين فيغضبون مني؛ لأنني بحت بخصوصياتهم -حسب وجهات نظرهم- على الرغم من أنني لا أراها أسرارا، بل أراها أمراً سخيفا».

وتذكر أحد المواقف التي أزعجت أبنها بقولها: «عندما توفت جدة أطفالي لأبيهم عبّر لي ابني «عبود» عن مدى حزنه لفقدانها، وطلب مني اصطحابه ليزور قبرها، ويقرأ الفاتحة على روحها، وبعدها بفترة سألتني إحدى قريباتي عن الحالة النفسية لزوجي وأبنائي بعد فقدانها، فأجبتهم حينها بأن «عبود» حزين جدا، وأكملت لهم ما قاله لي سابقا، عندها عاتبني ابني عما تفوّهت به؛ لأنني قد أفشيت بسره للآخرين».

أجاب أحمد داوود -والد 4 أطفال-: «من خلال تجربتي مع أبنائي لاحظت بأن لكل منهم شخصية تميزه عن غيره، ودرجة الحساسية تختلف من واحد الى اخر أيضا، وأنا أحاول قدر الامكان عدم إغضاب أي منهم وأسعى لاحترام مشاعرهم وخصوصياتهم. وعند المواقف المتشابهة احدهم يشعر بالسعادة، ومنهم من يغضب اذا تفوهت به للآخرين»

اما عون دبابنة (10أعوام) فأجاب «أشعر بالسعادة عندما يذكر أبي أو أمي أحد المواقف الإيجابية التي أقوم بها للآخرين، و يطلقون ضحكاتهم فرحا بما قمت به، على عكس أخي الذي يبلغ 5 سنوات،و الذي يغضب عند ذكر أحد مواقفه للآخرين، ما يدفعه لذرف دموعه وهو يردد عبارة «لا تضحكوا علي"».

وتقول المتخصصة في علم النفس السريري أسماء طوقان: «في كل أسرة نجد أن الوالدين يخشيان من أن يفشي أطفالهما أسرار المنزل أمام الآخرين، وإن قاموا بذلك تتم معاقبتهم دون توضيح السبب، فعلى الأم أن تشرح لأطفالها أهمية الحفاظ على أسرار المنزل وتوضيح معنى الخصوصية مع إشعارهم بأهميتهم في الأسرة وقيمتهم من خلال حقهم في الاطلاع على ما يدور داخل أسرتهم هم فقط، وليس من حق الآخرين الاطلاع عليه».

وتبين طوقان الأثر النفسي قائلة: «وهذا سوف يعزز ثقتهم بأنفسهم، ويعلمهم تحمّل المسؤولية، ولكن في المقابل على الوالدين الالتزام بعدم افشاء أسرار أطفالهم للآخرين، فهم قدوة لأطفالهم وأيضا من باب توفير الصحة النفسية لهم».

وتلفت إلى أنه على الأم أن تتقرب من أطفالها، وأن تكون صديقة لهم حتى تكسب ثقتهم بها، ولتتجنب اخفاء ابنائها ما يحصل معهم.

وتذكر طوقان بعض الأمثلة على أسرار الأطفال: «كأن يخبر الطفل والدته بأن لديه زميلة جميلة في الروضة يحب اللعب معها، ويحب اسمها، فتقوم والدته بإخبار اقربائها وصديقاتها من باب المزاح والتسلية، ولكن هذا قد يعرض الطفل للسخرية ويزعجه ويفقده ثقته بوالدته وبنفسه؛ لأنه أخبرها بهذا الأمر فيلوم نفسه ويشعر بالخجل ويتجنب رؤيتهم».

وتتابع: «وقد يتجنب إخبار والدته بأي أمر يخصه في المستقبل حتى وإن كان يتعرض للخطر؛ ليتجنب كلام الآخرين عنه، أو أن يخبر الطفل والدته أنه حصل على علامة متدنية في مادة ما ولكنه سوف يصلح الأمر ويدرس بشكل أفضل للاختبار القادم فتقوم والدته بإخبار أخوته والآخرين وتقوم بتوبيخه وعقابه، فهنا يشعر الطفل بالاحباط والخجل والنقص عند مقارنته بإخوته ويضعف ثقته بنفسه».

وتلفت طوقان إلى أن احترام خصوصية الطفل والمحافظة على أسراره لا تكسبه الثقة بنفسه فقط بل تكسبه الثقة بوالديه أيضا فيكونان ملجأه الأول عند حاجته للنصيحة، وهذه العلاقة التي يرغب جميع الآباء والأمهات الوصول اليها.

يقول خبير علم الاجتماع الدكتور مجد الدين خمش: «من خلال طرق التربية في الأسرة والتعامل مع الطفل يجب أن نكون واعين لما يسمى مفهوم الذات لدى الطفل اذ أنه جوهر الطفل عند الكبر وهو مكون من معلومات وأفكار ومفاهيم وصور عن الطفل وموجود عند أفراد الأسرة».

ويتابع قائلا: «ويعكس أفراد الأسرة في تعاملهم مع الطفل صورة معينة عنه اذ يكون مجتهدا أو أنيقا أو موهوبا وغيره، وبهذه الحالة تكون إيجابية، وبناءة ومفيدة وتساعده عند الكبر على النجاح والتفوق والاندماج في المجتمع».

ويبيّن خمش: «أن الصورة قد تكون سلبية عن الطفل كالتكلم عن الأخطاء التي يرتكبها وغيره وعندها تخلق ما يسمى بالوصم السلبي، وهذا مدمر، ويؤثر عليه سلبا في حياته المستقبلية، وسيجد الصعوبة في التفوق والتميز؛ لأن فكرته عن نفسه بأنه خطّاء وغير فعّال وغير مجتهد، كما انه لن يحقق النجاح المهني في مجال العمل مستقبلا، وسيبقى على الهامش بعيدا عن الابداع والتميز».

ويرى خمش بأنه: «يجب أن تكون طريقة التربية في الأسرة ديمقراطية، إيجابية، وتحترم مشاعر، وشخصية الطفل، وتتعامل معه على أنه كبير في العمر».

ويخلص خمش الى أنه اذا أردنا مجتمعا نوّطن به التميّز والابداع والابتكار علينا الاهتمام بطرق التربية في الأسرة التي تحترم أسرار، ومشاعر، وشخصية الطفل، والمناهج المدرسية التي تدرّب، وتكسب الأفراد المهارات، والتي تربط البحث العلمي بالابتكار وليس بالحفظ. وذلك يفسّر ارتفاع عدد براءات الاختراع في المجتمعات الأوروبية، واليابان، والولايات المتحدة الأميركية التي تنتهج هذه الطرق في التربية.