أبواب - زياد عساف

ضمن مناهج التعليم الابتدائي يدرس التلاميذ حالات المد و الجزر المرتبطة بالبحر ، وغاية معظمهم الإجابة عن هذه الظاهرة حين تأتيهم بصيغة سؤال ليحظوا بالنجاح في امتحان اّخر السنة ، ولم يأت من يعلمهم أن النجاح في امتحان الحياة وهو الأهم يكمن بالفلسفة التي يعكسها المد و الجزر ذاته باعتبارها المعادل الموضوعي لتقلبات الحياة وعدم ثباتها على حال ما يستدعي زادا معرفيا يسعى اليه الانسان ويختزنه بالتراكم لمواجهة هذه التقلبات والمتمثلة بصور متناقضة متوزعة مابين لقاء وفراق ..أفراح و أحزان .. نجاح و فشل . أفيشات..

والبحر بطبيعة الحال كان ولا يزال خير شاهد على العديد من هذه الوقائع و الحكايا التي رصدتها الكاميرا وجسَّدتها على الشاشة الكبيرة بصور و أفكار متنوعة، وحسب رؤية الكاتب و المخرج وتفاعلهما مع الموقف و الحدث، ما ساهم برفد صناعة السينما بمجموعة أفلام منها ما يعتبر بمثابة رصد و تحليل للواقع، وأعمال أخرى طابعها الإثارة و التشويق والتسلية ليس أكثر.

أفيشات و بوسترات هذه الأفلام لم تغب عن خيال عشاق السينما زمان عندما كانوا يتأملونها بشغف في الأماكن المخصصة لها على اسطح المنازل و اعمدة النور، إلا أن أكثر ما كان يشد الجمهور وقتها تلك (الأفيشات) التي تعلن للمارة بأن وقائع الفيلم من وحي الصيف،ومجرد مشاهدة هذا الأعمال كفيل بأن يأخذ المشاهد لعالم البحر و سحره الملون بالرومانسية و الفرح.

البنات و الصيف..

بقصد او بدون قصد، عكست نسبة كبيرة من هذه الأعمال حقيقة مفادها انه ورغم خلع وتخفيف الملابس بحسب ما تقتضيه اجواء البحر و الصيف، الا ان شخصيات كثيرة ظلت ترتدي الأقنعة ولم تخلعها، ومع ذلك تنجلي الحقيقة في النهاية مع تصاعد الأحداث بالفيلم.

«البنات و الصيف» فيلم من انتاج عام 1960 للكاتب احسان عبد القدوس، ويعتبر من أهم الأعمال المتوافقة مع هذه الرؤية و تقع الاحداث جميعها على شواطئ الاسكندرية، جاء ضمن ثلاثة اجزاء و يطرح كلاً جزء قضية مستقلة، إلا أنها بمجملها تتحدث عن تساقط الأقنعة لمدعي الوفاء والرزانة و صدق المشاعر.

القصة الأولى تجمع كل من مريم وفخر الدين و كمال الشناوي و عادل خيري واخراج عز الدين ذو الفقار، وهنا يسقط القناع لمدعي الصداقة بعد أن تمادى في الخيانة مع زوجة صديقه، القصة الثانية ابطالها حسين رياض و فردوس محمد و سميرة احمد و تقوم بدور الخادمة أو (الشغالة)، و يسقط أيضا قناع الوقار عن الزوج المتصابي (حسين رياض) الذي يرمي شباكه حول الشغالة، ويتهمها بالسرقة الا انها تثبت براءتها وتتزوج نهاية الفيلم من المكوجي الذي يكن لها المشاعر الصادقة.

عبد الحليم حافظ أو (المهندس محمد)، هو بطل الحكاية الثالثة ويسعى لكسب ود ابنة الجيران ناهد (زيزي البدراوي) والتي يحبها بصدق ويجد صعوبة في التعبير عن مشاعره، وتسهل له شقيقته سميحة (سعاد حسني)هذه المهمة بمحاولة التقريب بينهما وفي النهاية تتساقط اقنعة كثيرة، أولها سعي ناهد للارتباط بشخص متحرر و مدعي رغم انها مخطوبة لمحمد الذي يواجه بدوره في النهاية حقيقة عدم فهمه لطبيعة المرأة.

فيلم «بنات بحري» ليس بعيدا عن هذه الأجواء، وقام بأداء الأدوار ماهر العطار و عبد السلام النابلسي وامال فريد وتم انتاجه عام 1962، تقع احداث الفيلم على شواطئ الاسكندرية أيضاً ، وفكرة العمل رغم بساطتها تتحدث عن فتاتين تنتحل كل واحدة اسما مستعارا، وتخفيان حقيقة الوضع الإجتماعي و الطبقة البسيطة التي ينتميان اليها تماشيا مع المفاهيم السائدة أن موسم الصيف هو الفرصة الأمثل ل (اصطياد) العرسان المتناثرين على الشاطئ بهذه الفترة من السنة.

إرباك اجتماعي..

تميزت بعض الأفلام التي تجري احداثها على شواطئ البحار بتصويرها الدقيق لحالة (الدربكة) أو الإرباك الاجتماعي الناجمة عن الفوضى في العلاقات الانسانية و الإجتماعية، واختلاف رؤية كل فرد للبحر الذي هومسرح الاحداث بطبيعة الحال فمنهم من يعتبره وكما سبق المكان الأمثل لتحقيق فرصة العثور على شريكة أو شريك الحياة، وفئة أخرى ممن يعيشون حالة الفراغ تراه مدعاة للتسلية و فرصة للخروج من الرتابة التي تبددها سرعة اقامة العلاقات الفاشلة بأغلبها، ولا يخلو الامر من تحقيق ماّرب أخرى كالنصب و الاحتيال وعقد صفقات مشبوهة.

إجازة صيف..

«اجازة صيف» 1966، فيلم يجمع كل هذه الدوافع الشخصية أبطالها مجموعة موظفين يعملون في مؤسسة يقررون قضاء اجازة الصيف في رأس البر،وقاموا بتجميع مصاريف الرحلة لتحقيق هذه الغاية، ويقدم العمل شرائح من المجتمع من خلال عدة شخصيات مثل: فتاة تبحث عن عريس، و التفكك الأسري المتمثل بالزوج المغلوب على امره من تصرفات زوجة تنساق نحو المظاهر، و اّخر متزوج من امرأة غير مناسبة شكلا و مضمونا ويسعى للتعبير عن مشاعره لابنة صديقه التي يكبرها بالسن،ولص يتخفى بدور العاشق حتى يتمكن من سرقة مصاريف الرحلة التي ادخرها الموظفون بشق الأنفس.

ورغم التفاوت النسبي في قيمة هذه الاعمال إلا أن أغلبها يدور في نفس السياق ومنها على سبيل المثال :شاطئ الذكريات 1955، ابن حميدو 1957، شاطيء الأسرار،من غير ميعاد والزوجة 13 من انتاج 1962، إجازة بالعافية و شاطئ المرح انتاج عام 1966، شنطة حمزة 1967 وتم استعادة عنوان هذا الفيلم بعمل اخر انتاج 2017، الزواج على الطريقة الحديثة 1967، حكاية 3 بنات وجزيرة العشاق انتاج 1968، شياطين البحر 1972، الشياطين في إجازة 1973، بنات للحب 1974، جنس ناعم 1975، اسكندرية ليه 1976 و دسوقي افندي في المصيف 1992.

في الصيف لازم نحب..

بعض الأفلام تناولت أهمية البحر و اجواءه في علاج المضطربين نفسيا، (في الصيف لازم نحب) 1974 واحد من الأعمال السينمائية التي تتناول البحر كمسرح احداث للقضايا الإنسانية و الإجتماعية، ولولا وقوع المخرج محمد عبد العزيز باعتماد التشويق والإثارة بهدف التسويق، لكان من أهم الأعمال التي توظف البحر ضمن الرؤية الصحيحة لهذه القضية.

تدور فكرة العمل حول الدكتور نبيل الذي يصطحب اربعة نزلاء من مستشفى الأمراض العصبية التي يعمل بها الى الاسكندرية بهدف دمجهم بالمجتمع باعتبار هذه الخطوة هي الحل الأمثل للعلاج،على شاطئ العجمي تلتقي هذه الشخصيات مع (عبد الحفيظ المتحفظ) وبناته، ومابين الأب عبد الحفيظ المتشدد المكبوت بطبيعته وبناته اللاتي يطمحن للتحرر، و تأتيهن الفرصة بالتعرف على هؤلاء الشبان لتتطور العلاقة فيما بينهم ضمن منحى اجتماعي و عاطفي، و في النهاية ينجح الدكتور نبيل بإعادة تأهيل مرضاه بعودة كل منهم لحياته الطبيعية.

رصيف نمرة 5..

في اللاوعي يمثل البحر للكثيرين فكرة الانعتاق أو التنصل من التزامات الحياة، من هنا غاب البعد الديني و السياسي عن نسبة كبيرة من الأفلام والتي تدور احداثها على شاطئ البحر او الميناء، فيما يخص البعد الديني يبرز انحسار دور رجل الدين في معظم هذه الأعمال باستثناء أدوار قليلة مثل ابو منصور (حسين رياض) بفيلم اغلى من عينيه 1955، و شخصية جابر ابو امينة (عبد الوارث عسر) بفيلم ابوحديد 1958، والمعلم بيومي (زكي رستم) زعيم العصابة المتستر بعباءة الدين بفيلم رصيف نمرة 5 انتاج 1956.

السيد البلطي..

وهذا ما ينطبق على تلاشي البعد السياسي أيضا عن هذه النوعية من الأعمال، باستثناء بعض الأفلام لمخرجين من اصحاب المدرسة الملتزمة و الواقعية في السينما العربية، وفيلم (السيد البلطي) 1967 المأخوذ عن رواية صالح مرسي واخراج توفيق صالح يبقى من اهم هذه الأفلام، قام بالأدوار عزت العلايلي و سهير المرشدي و محمد نوح، سعى المخرج لتحليل اسباب هزيمة 1967 باللجوء للإسقاط السياسي، وتوظيف المعادل الموضوعي للحدث بالرجوع لإجواء وعالم الصيادين في ثلاثينيات القرن الماضي ممن كانوا يستخدمون الات الصيد البدائية، وجاءت الدعوة لاستخدام مركب صيد حديثة ما يهدد مصالح عائلة البلطي المسيطرة على الشط و المتحكمة بهذه المهنة، وبدأت تفقد صلاحياتها مع وفاة (السيد البلطي) كبير العائلة الذي يمثل البطل الأوحد المخلص بالنسبة لهم، وظل مسيطرا على تفكيرهم حتى بعد وفاته، وهذه الرؤية (الشخص المخلص) ستؤول بالنهاية للهزائم و الكوارث وهذا ما اراد الفيلم ايصاله للجمهور.

صراع في الميناء..

وفي اجواء مشابهة تقع احداث فيلم (صراع في الميناء) 1956 اخراج يوسف شاهين وتمثيل عمر الشريف وفاتن حمامة و احمد رمزي، ويطرح فكرة الصراع بين عمال الميناء و شركة النقل التي يملكها رجل متنفذ، وكذلك فيلم (الظالم و المظلوم) 1989 لنور الشريف و يقوم نور بدور الرجل الشهم العامل في ميناء الإسكندرية ويتم الاستيلاء على زوجته من قبل مسؤول في الإتحاد الاشتراكي ليتحول الصراع بين الظالم والمظلوم ضمن تسلسل الأحداث.

بس يا بحر..

باستعراض ما سبق من افلام يبرز تفرد السينما المصرية بطرح هذا الموضوع، ومع ذلك قدمت السينما العربية نماذج لأفلام من هذا القبيل تعتبر مهمة في حد ذاتها، ولايمكن الحديث عن البحر و شجونه دون التطرق للفيلم الكويتي (بس يا بحر) الحائز على عدة جوائز عربية و دولية وتم انتاجه عام 1972 اخراج خالد الصديق و تمثيل حياة الفهد ومحمد المنصور وعلي المفيدي، وضمن سيناريو متميز يطرح برؤية انسانية معاناة الغواصين و صيادي اللؤلؤ وحياتهم المريرة بفترة الثلاثينيات و الاربعينيات قبل طفرة النفط بالكويت، وعلى صورة مغايرة يبدو البحر بهذا الفيلم أشبه بعدو يلتهم الفقراء من الصيادين الساعين لتأمين قوت يومهم.

وفي السينما السورية تبرز اعمال الكاتب السوري حنا مينا ابن مدينة اللاذقية الساحلية وسبق أن عمل حمالا و بحارا في الميناء، وبالتالي جاءت كتاباته انعكاسا للأجواء الإجتماعية و السياسية والتي مسرح احداثها البحر، وتركيزه على فترة الاستعمار الفرنسي لسوريا وبمجموعة من الأفلام ومنها: اليازرلي 1972، بقايا صور 1979، الشمس في يوم غائم 1985، اّه يا بحر 1993 والشراع و العاصفة «2011».

شاطئ الغرام..

الملفت في معظم الأعمال السينمائية السابقة حضور اغاني الشواطئ كعنصر اساسي للتعبير عن مرح الصيف، وبالتالي لم تغب هذه الفكرة عن مخيلة السينمائيين حتى بات ارشيف السينما المصرية تحديدا يزخر بمحموعة كبيرة منها تفوق بروعتها اغاني فيديو كليب هذه الأيام، وظلت هذه الأعمال تفرض حضورها لغاية الان لدرجة ان الكثير من المصطافين الذاهبين لمرسى مطروح يتوجهون لمشاهدة صخرة ليلى مراد الشهيرة التي غنت عليها

«المية و الهوا» بفيلم شاطئ الغرام 1955.

وعند ما تحط الرحال في الاسماعلية يتساءل عشاق الطرب عن الشاطئ الذي غنت عليه نجاة الصغيرة (القريب منك بعيد) بفيلم شاطيء المرح، بالإضافة لأغانٍ عديدة ارتبطت بذاكرة الشواطيء منها: قاضي البلاج و دقوا الشماسي لعبد الحليم حافظ بفيلم ابي فوق الشجرة، و :خدنا اجازة لسعاد حسني والمجموعة من فيلم الزواج على الطريقة الحديثة.

ع الرملة..

« ع الرملة » واحدة من اغاني الصيف الجميلة لمحمد رشدي وأداها بفيلم: فرقة المرح انتاج 1969، هذه الأغنية ورغم بساطتها إلا انها تعكس فلسفة عميقة عن النهاية الحتمية لأغلب العلاقات الانسانية في هذه المواسم، والتي هي اشبه بموجة تجتاح الشاطئ في النهاية لتمسح الكلمات و قصور الأحلام التي خطها الناس على الرمال، ويختزلها محمد رشدي هنا بهذه الصورة المؤثرة من الأغنية:

» ع الرملة و قاعد حبيبي..و يا خوفي لايكون ما داريبي

وسايبني ابني امل في الرملة..احلام وقصور و اكتب كلمة

ويا خوفي م الموجة الجاية..لاتاخدني من غير حنية

وتهد قصوري وياها .. ع الرملة».q