روعة سنبل - كاتبة من سوريا

«جَدْلُ الشَّعر يسلّي الحزن».

همستْ لي المرأة الباهتة، المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، حين صادفتُها أوّلَ مرّة في منزلي.

ابتسمتْ وهي تجلس إلى جانبي على الأريكة تتابع معي مسلسلاً في التلفاز، ثم تركتْ مكانها بهدوء، ووقفتْ خلفي، قسمتْ شَعري الحالك الطّويل إلى نصفين، صنعتْ ببطء جديلةً نحيلة في كل جانب وهي تبكي.

***

«إن لم يؤلمكِ عنقكِ وتزكمُ أنفَكِ رائحةُ الحرق كلما سمعتِ داخل رأسكِ صوتاً يحكي لك عن فأسٍ قتلتْ زنبقة وحريقٍ أودى بجديلة، فأنتِ لم تعرفي الحرب بعد»!

همستْ لي المرأة التي تدخّن كثيراً، المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، والتي أصادفها مرّات قليلة في منزلي. جلسنا خلف النافذة ننصتُ إلى أصوات قصف بعيد. غابت قليلاً، ثمّ عادت مع صندوق صغير، جلستْ أرضاً، ابتسمتْ وهي تخرج منه نسخاً كثيرة من دمى متشابهة رخيصة، أخذتْ تمسّد بحنان أجسادها، وتجدلُ الخيطان الرّقيقة الذهبية التي تعلو رؤوسها، أشعلتْ بقداحتها سيجارةً جديدة لها، وأشعلتْ جدائل الدّمى، ثمّ قصفتْ أعناقها وهي تبكي.

***

«جَدْلُ الشَّعر يجعل الانتظار أسهل».

همستْ لي المرأةُ مطمئنّةُ الملامح، المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، والتي صرتُ أصادفها كثيراً في منزلي، راقبتني وأنا على سجادة الصّلاة، أتلو تسبيحاتٍ قُبيل الفجر، غابت قليلاً، ثم عادت مع ثياب صلاة وسبحات كثيرة، ابتسمتْ وهي ترتدي ثياب الصّلاة، جلستْ قربي بخشوع، تتمتم صلواتٍ بصوت خفيض، وتجدل السّبحات الملونة معاً، ثمّ ألبسَتْها لي أساورَ، أحاطت بها معصميّ وهي تبكي.

***

«إن لم تجرّبي نشوةَ أن يجدلَ شَعركِ المبتلّ رجلٌ تحبّينه، فأنتِ لم تعرفي الحب بعد».

همستْ لي المرأة خشنةُ الصّوت، المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، والتي ترافقني دوماً في منزلي، مشّطتْ لي شَعري في الحمّام، ابتسمتْ ودخلتْ معي غرفةَ نومي، غابت قليلاً ثم عادت مع ملاءة صوفية كبيرة، خلعتْ عنّي منشفتي، وألقتْ الملاءة عليّ، راحت تحكي عنه، عن الرّجل الذي سيجدل شَعري المبتلّ، وسيفعل أشياء أخرى كثيرة، همستْ بالتّـفاصيل الحميمة كلّها وهي تصنع جدائل قصيرة عديدة من الشّراشيب الملوّنة على أطراف الملاءة، ثمّ احتضنتْ بحنان عُريي الذي ارتعش بعنفٍ تحت ملاءتي وهي تبكي.

***

«الجدائل نجاة، كلّما تسلّق رجلٌ جديلةً نجت امرأة».

همستْ لي المرأة الّتي لها رائحة الأمّهات، المرأة المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، والتي تسكن معي في منزلي، ابتسمتْ وتمدّدتْ خلفي في سريري، جدلتْ شَعري جديلةً واحدة سوداء طويلة، وروت لي حكاية (ريبانزيل) حتّى غرقتُ في النّوم، روتها وهي تبكي.

***

«اسمعيني جيّداً، حين لا يمكننا النّجاة، نبحث عن الخلاص فقط».

هـمـسـتْ لـي قــبلَ قليل المرأةُ المصابة بمتلازمة صنع الجدائل، التي تسكن معي في جسدي. همستْ وهي توقظني من نومي، قصّتْ جديلتي الطويلة، وجلستْ على حافّة سريري، ربطَتْها بإحكام مع جدائل أخرى كثيرة شقراء وسوداء وبنّية. خرجنا معاً إلى الشّرفة، سحبتْ كرسيّاً وساعدتْـني لأصعد عليه، أحضرتْ مبتسمةً حبلَ الجدائل، ضمّتني بشدّة وهي تبكي.

***

تضعُ المرأةُ الآن الحبلَ حول عنقي، تبتعد قليلاً، تهمس بصوت حالكٍ كالليل حولنا: «الجدائل خلاص»، ثمّ تركل بقدمِها الكرسيَّ ليقع، تركلُه وهي تضحك.