تناولت في المقال السابق قصّتي مع الثانوية العامة، بعد ظهور النتائج–كانت سياسة أن يرسل العشرة الأوائل إلى الجامعة الأميركية في بيروت–وأن نحضر دورات في اللغة الإنجليزية اشرف عليها الدكتور ألبرت بطرس، ولأمر ما لم أقبل أن أذهب إلى الجامعة الأميركية تخصص إدارة أعمال، وكان خريجو هذه الجامعة هم من يكونون في المستقبل قيادة الإدارة والسياسة، غضب مني وكيل الوزارة المرحوم محمد نوري شفيق، وكانت بعثتي الى العراق، كلية الآداب، كان المستشار الثقافي فيها المرحوم فايز المجالي، أعددت نفسي للسفر عن طريق البّر، وصلنا منطقة (H4) الحدود الأردنية، كان هناك مركز لتخليص البضائع تعود ملكيته للمرحوم فايز النهار وأخيه فواز النهار، تربطني بهما علاقة لم أكن أعرفها، أنزلوني من السيارة أنا والركاب، واعدوا لنا عشاء وسهلوا امرنا، وقال لي هذا مكتبك في الذهاب والأياب استطعت لاحقا أن أسدد دينه بمساعدة ابنه معتصم للدراسة في القاهرة.

وصلنا بغداد عند الفجر، لم أكن أعرف أحداً، سألت عن قسم البعثات في وزارة التربية، فقالوا لي إن سكنك في القسم السابع، راغبة خاتون في الأعظمية، كالجيش استلمت الأساسيات وذهبت إلى القسم السابع، عرفت فيما بعد أن من بين الطلاب في الغرفة العلوية مع حفظ الألقاب، زياد فريد، بسام الساكت، عبدالحميد الحياري، وفي الجانب الآخر المرحوم خالد الغزاوي ومحمد المصالحة وعبد الجليل عبد المهدي ويوسف بكار، طلاب من الضفة الغربية ومن القرى الأردنية، نشكل مجتمعاً أردنياً متعاوناً.

ذهبنا الى كلية الآداب، وكانت تعج بالأحزاب، وكان حزب البعث محظوراً وكذلك الحزب الشيوعي، وكان الاسلاميون حاضرون وكنت من بينهم، درسنا عمالقة من الأساتذة المرحوم صالح العلي، حسن ابراهيم، نوري القيسي، محمد الطائي، محمد الأمين، كان رئيس الجامعة المرحوم الدكتور عبدالعزيز الدوري، بدأت بتثقيف نفسي، أدرس المواد المقررة، وأخصص ثلاث ساعات للدراسة الخارجية، وسعت مهامي، في استقبال الطلبة الأردنيين ومساعدتهم، وعمل وليمة جماعية في بداية العام لهم تضم حوالي ثلاثين شخصاً، جاءنا في السنة الثانية مجموعة جديدة منهم محمد المحاميد، عبدالله عويدات وغيرهم، انتقلنا إلى القسم الخامس في نفس الحي، وجاءتنا بعثة من ابناء العشائر من بينهم سلامة حماد، وخميس شهيل، وغازي الخريشة، وراجي قبيلات، وخالد فلاحات، وكان في القسم نايف القاضي، بدأنا نتأقلم على حياة المدنية وكانت غالبية طلاب الآداب من الإناث، كنا نجد صعوبة في الإفلات من إقامة صداقات، ونركز فقط على الصداقات مع الذكور، كنا صارمين جداً في إلزام أنفسنا حتى أنني لم أشارك في رحلة مختلطة نهرية مع طلاب وطالبات القسم، كنا محط أنظار الطالبات والطلاب الذين يفضلون الجلوس الى جانبنا في الامتحان، ونتخلص منهم بصعوبة، كنا نناقش الأساتذة الكبار ونحضر للمناقشة، نحن الآن في السنة الثانية من الجامعة، واستقرت أحوالنا أكثر وأصبح يشار إلينا بين الطلبة الأردنيين والعراقيين، وللحديث بقية.