هنالك الكثير من التعريفات ضمن الأدبيات المتعلقة بالدبلوماسية تتمحور حول متطلب الذكاء والبراعة من أجل إدارة العلاقات الدولية للدولة ضمن عملية تفاعلية لتحقيق مصالحها الوطنية وعبر وسائل مختلفة. هذا التفاعل يحصل في مستويات مختلفة تمثل البنية الإقليمية والدولية للدولة.

فبالنظر للدولة الأردنية نجد أن الأردن بلد محدود الموارد محاط بدول هي أكبر وذات امكانات اقتصادية أكثر، إضافة الى قدرية بيئة خشنة انتجت وتنتج تحديات مستمرة متمثلة في حالة عدم الاستقرار نتيجة لصراعات إقليمية عميقة أشهرها الصراع العربي الإسرائيلي والذي طالما شكل تهديدات مباشرة للأمن الوطني الأردني. وبالنظر للاستجابة الأردنية لهذه القدرية نجد أنه ومنذ نشأته حتى وقتنا الحاضر طور الأردن مدرسة سياسية ودبلوماسية ذات قدرة عالية عن التكيف سابقة للأحداث قائمة على فهم عميق وبراغماتية لتعقيدات الواقع الإقليمي والدولي تستند الى حسابات الربح والخسارة وتمارس سياسة خارجية تدار بوسائل دبلوماسية فعالة ونشطة ترتكز على خيارات عقلانية منطقية هدفها أولاً وأخيراً تحقيق المصالح الوطنية الاستراتيجية وبالذات الأمن الوطني الأردني. وحقيقة أن الحالة الدبلوماسية الأردنية تمثل السعي الدؤوب من أجل لعب دور فاعل ونشط على الصعيد الإقليمي والدولي بالرغم من محدودية موارده الطبيعية تمكنت من الإبحار بأمان من خلال تطويع قدرية هذه البنية الخشنة وتحويلها الى أفكار وإنجازات عززت دور ومكانة الأردن المستدامة.

صحيح أنه من الأهمية بمكان أن تسعى الدول إلى لعب دور فاعل ونشط ولكن الأهم من ذلك هو القدرة على استمرارية واستدامة هذا الدور. إن المتتبع لإدارة الدولة الأردنية لعلاقتها الدولية والدور المحوري لها في الإقليم يستطيع أن يستنتج أن هنالك قدرة عالية لدى صانع القرار في الحفاظ على استمرارية هذا الدور وتطويره.

صحيح أن هناك عوامل ضعف مختلفة تم تعويضها من قبل صانع القرار الأردني، مكنته من تطوير دبلوماسية مشهود لها على الصعيد العالمي. وبإجماع الكثير من المهتمين بالشأن الأردني سواء السياسيين أو الاكاديميين فإن العامل الأكبر والحاسم في هذه الدبلوماسية الاحترافية يتعلق بوجود قيادة راسخة ومستقرة منذ الملك المؤسس إلى جلالة الملك

عبد الله الثاني من حيث الرؤية والفهم العميق لمتغيرات الواقع الجيوسياسي للأردن.

ذلك كله يضاف له مواطن أردني يمتلك درجة عالية من الوعي والانتماء الوجداني العميق، لذا وبغض النظر عن التحديات الحالية التي يواجهها الأردن وبخاصة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وتطوراتها المتمثلة بخطة السلام الأميركية المنتظرة وتداعياتها المحتملة فإنني على يقين تام بأن الأردن بما يمتلكه من قيادة حكيمة تتوافر على رؤية وذكاء شديدين مع صلابة في الموقف والتزام تام بالثوابت قادر على تطويع واحتواء التحديات وتجاوز الصعوبات.