كتب - حيدر المجالي

آثار البيوت الأردنية المقنطرة شواهد على حياة طيبة، فلكل حجر من حجارتها السمراء حكاية، يعرفها الآباء والأجداد الذين عاشوا تحت سقوفها وقناطرها ردحا من الزمن، فكانت تلك الحياة رغم قسوتها، فهي في نظر الذين عاينوها جيداً، محطة لزمن جميل يجرفنا فيه الحنين لدفئها، وعشقها، وألقها.

بقاياها القديمة ما تزال شواهد على اللحمة الأردنية بكل تجلياتها، فساكنوها يفرحون ويحزنون معاً، وعلى سقوفها ينثرون القصائد والأهازيج فرحاً، وهم يمُدّون الطين الممزوج بالتبن والماء عليها في فصل الصيف، تلك الأطلال الخربة لم تعد تعني لنا شيئاً، بعد أن انصهرنا في أُتون المدنيّة الحديثة التي جعلتنا غرباء عن بعضنا بعضاً بإرهاصاتها وتقلباتها ومستلزماتها.

بدأ بناء بيوت الطين والحجر في أواخر عشرينيات القرن الماضي، في معظم مناطق المملكة سواء في العاصمة عمان، أو في المحافظات الأخرى شمالاً وجنوباً، وكان الطراز المعماري لها بنمط واحد، وهو مساحات كبيرة مستطيلة الشكل، لها قناطر من الحجارة الثقيلة لترتكز عليها السقوف، التي غالباً ما تُبنى من جذوع الأشجار وأعواد القصب، ثم يضاف إليها الطين بعد خلطه بالتبن والماء.

والزائر إلى منطقة جبل القلعة في عمان، وتحديداً حي(القيسية) يرى بقايا تلك البيوت المهدمة حتى الآن، وهي مطلة على أكبر معلم سياحي تأريخي، هو المدرج الروماني؛ الغريب أنها تركت على حالها دون تغيير أو ترميم أو استثمار، بذات الصورة التي كانت عليها، ففقدت بهجتها ورونقها العتيق.

بعض سكان المنطقة يَرَوْن ان بيوت الاجداد باتت كالأطلال، لكن زواياها وقناطرها وحجارتها تشي بالكثير، بعد أن نسينا الجوانب الإنسانية التي كانوا يتحلّون فيها، ومقدار التعاون فيما بينهم الذي كانوا يطلقون عليه (العونة).

ظروف بناء البيوت لم تكن سهلة كما يظن الكثير، فقد كانت شاقة ومتعبة، فمن أراد بناء بيت، عليه أن يعمل بنفسه لتوفير مستلزمات البناء، فينقل الحجارة الكبيرة من الجبال والأودية على الدواب، ثم يقطع جذوع الأشجار، ويوفر الماء الذي يجلبه من بئر بعيدة أو عين ماء جارية، ثم يأتيه متبرع ماهر في البناء، ويسعى الجميع للمساعدة حتى يكتمل المشروع الذي يعتبر مستقبلا لرب الاسرة والأبناء.

ولا يخلو البناء من بعض المخاطر، فقد لا يتحمل المطر الغزير أو الثلوج المتراكمة، لأنه غالباً لا يصمد فينهار، أو أجزاء منه، بحسب ما ذكره الحاج «أبوسليم» الذي شهد بناء أول بيت في قريته، وهنا المشكلة الكبرى أين تأوي الأسرة في تلك الظروف الجوية؟! لكن العديد من الجيران يستضيفونهم برحابة صدر ومحبة.

حتى البيوت التي لا تتعرض لخطر الانهيار، فإنها لا تأمن تسرب الماء من السقوف، حيث يعمل المطر على إذابة الطين، وبالتالي فإنه يترك فجوات تسمح بمرور الماء منها على رؤوس الأطفال، لكنهم رغم ذلك سعداء بما رزقهم الله من نعمة الغيث والمياه الغزيرة التي ستروي حقولهم وزروعهم.

ويتذكر الثمانيني «عبدالله الحنيطي»، تلك الأيام بحلوها ومرها، وكيف كانت العائلة الكبيرة، تتألف من عوائل صغيرة، تعيش في ذات البيوت، التي شُيدت، بطريقة فنية، إذ يُعتبر صحن الدار، ملتقىً لجميع أفراد الأسرة، وجورة النار في الوسط نقطة ارتكاز يتحلق حولها الجميع ينشدون الدفء، كما يستخدمونها في الطهي.

وأما اماكن التخزين، فهي متعددة، فما يُسمّى (قطع) مكان لتخزين (التبن) وما يُسمى (كوارة) مكان لتخزين الحبوب بانواعها، ربما يكون مخزن التبن، ملجأ لبعض الحيوانات الضعيفة، كالماعز والغنم واحياناً الحمير، بمعنى أنها تعيش فترة الامطار والثلوج داخل البيت الكبير، لا يعرفون المدافئ الحديثة(الكهربائية، أوالتي تعمل على الكاز) ولم يحلموا يوماً بالتدفئة المركزية، وحتى الإضاءة كانت نواسة من الفتيل الذي يستخدم اليه الزيت ولاحقاً الكاز.

ويحنُّ الكثير ممن عاشوا تقلبات بيوت القناطر الطينية إلى ماضيهم الجميل، لأنهم يرون فيه البساطة، والمحبة والألفة بين الناس، عكس ما يرونه هذه الأيام، التي حولت العلاقة بين أفراد المجتمع إلى مصالح شخصية ومكاسب على حساب القيم والأعراف والمبادئ.

ولعل السبعيني علي القيسي هو الآخر عاش تلك الحياة، وعاين تفاصيلها، وما يزال يحن اليها، ويشتاق إلى محطات غاية في الجمال، والبساطة، والرّوعة كما يصِفُها، لكنه يأسف على ما آلت إليه الأوضاع اليوم، فتهافت الناس على الشراء بهذه الطريق، وعدم الاهتمام بالفقراء، أو الجيران، يبعث على الأسى والأسف.

ويدعو مهتمون في التراث الشعبي إلى الاستفادة من إرث الأجداد، وترميم البيوت القديمة وتحويلها لمشاغل للحرف اليدوية الشعبية، أو منازل للسياحة، وربما هذه الفكرة طُبِّقت في عديد القرى الأردنية، مثل: تجربة قرية ضانا في الطفيلة التي حولتها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة لقرى سياحية.. وتبقى بيوتنا الجميلة منبع ذكرياتنا ومشاريع لتحفيزنا للحفاظ عليها والاستفادة منها.