في 28 أيلول/ سبتمبر 2000، عندما زار رئيس الوزراء الأسبق (أرييل شارون) المسجد الأقصى انطلقت شرارة الانتفاضة الثانية. وقبلها، في 25 أيلول/ سبتمبر 1996، انطلقت «هبّة النفق» احتجاجا على قرار رئيس الوزراء (بنيامين نتانياهو) حفر وافتتاح النفق الغربي أسفل الأقصى. وحين حاول (نتانياهو) فرض التقسيم الزماني في العام 2015 وإغلاق الأقصى في وجه المسلمين تماماً خلال الأعياد اليهودية، جاءت عملية الشهيد مهند الحلبي وبدأت «انتفاضة القدس» التي عرفت باسم «ثورة السكاكين». وفي قضية أحداث «باب الأسباط» في العام 2017، عندما وضع الاحتلال (الأقصى) تحت سيطرته الأمنية عبر البوابات الإلكترونية، نجح الوعي الفلسطيني في توظيف «الأمر الشرعي» وهو الصلاة في المسجد إلى اعتصام أمام أبوابه، فسجلت «إسرائيل» عجزها عن مواجهة الجماهير وتركتها تَفتح «الباب» دون إطلاق رصاصة أو قنبلة غاز واحدة. وكذلك الحال في «هبة باب الرحمة» التي بدأت في شباط/ فبراير 2019 وفتح فيها المقدسيون مصلّى باب الرحمة الذي أغلقه الاحتلال عام 2003.

لطالما كان للاحتضان السياسي الرسمي الإسرائيلي لجماعات المستعمرين/ «المستوطنين»، ووصول داعمي فكرة «الهيكل المزعوم» إلى مراكز القرار في «إسرائيل»، دور في تعاظم قوتهم إن لجهة إنهاء الوصاية الأردنية على المسجد، أو السماح لهم بأداء الصلاة التلمودية فيه. وفي حين احتضن أعضاء كنيست (البرلمان الإسرائيلي) ما تطرحه جماعات المستعمرين/ «المستوطنين» من منطلق ديني عقائدي، فإن نوابا علمانيين تبنوا هذه المطالب لأسباب سياسية وانتخابية على قاعدة فرض السيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة، بما فيها المسجد الأقصى. ومع أن «جماعات الهيكل» التي تمثل المستعمرين/ «المستوطنين» حققت على مدى السنوات الماضية تقدما في تعزيز الوجود اليهودي في المسجد الأقصى، عبر: تكثيف الاقتحامات، واستمرار محاولات أداء الصلوات التلمودية بحماية شرطة الاحتلال، وعقد قرانات «للمستوطنين» في المسجد، وغير ذلك من مظاهر التهويد وتغيير الوضع القائم، بل إنها وصلت إلى السماح باقتحام الأقصى في العشر الأواخر من رمضان، وهو ما لم يحدث سابقا.

تتواصل الانتهاكات للأقصى يومياً، فيما المرابطون على الأرض من القدس والضفة وفلسطينيي 48 يواصلون صمودهم. فالعربدة التي يقوم بها المستعمرون/ «المستوطنون» بدعم من حكومة الاحتلال في باحات المسجد الاقصى، وتكرار اقتحام قوات معززة من شرطة الاحتلال المسجد القبلي، وحملة الاعتقالات والابعادات التي تجري بحق العديد من حراس المسجد والمرابطين، هي استمرار لمحاولات فرض أمر واقع وتقسيم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا، وفق حجج واهية وتحريف للتاريخ. وجدير بالانتباه تحذير المحلل السياسي الإسرائيلي (يوسي ميلمان): «(جبل الهيكل) الحرم القدسي الشريف هو عبوة ناسفة شديدة الانفجار مع فتيل قصير. قضية الحرم هي قضية حساسة وملتهبة». وإذ نحن نؤكد على ذلك، تقول الوقائع إن عدونا يرى في تهويد الأقصى أجندة مركزية لن يدخر فيها جهداً، فهل نبذل جهدا مقابلا؟ كما نؤكد أن الاحتلال سيستمر في استثمار أي هفوة أو مساحة نفتحها له، فهل ننتبه ونفوّت عليه مثل هذه الفرص؟