القرار الحكومي بإحالة من أمضوا ثلاثين عاماً في الخدمة الحكومية، واحد من القرارات المهمة، التي يفترض ان تعالج اكثر من إشكالية سياسية، واقتصادية، واجتماعية» من بين تلك التي ابتلي بها الوطن، وما زال يعاني من تبعاتها.

غير أن ذات القرار يمكن أن يتحول إلى إشكالية إضافية، فيما إذا لم تتعامل معه المرجعيات الإدارية المختصة بقدر كبير من الحذر، ولم تهيئ الأرضية المناسبة لتطبيقه، في ضوء حقيقة يشدد عليها مختصون في علم الإدارة، وتتمثل بعدم صوابية القاعدة التي تعتمد «المسطرة» كأسلوب في تطبيق كل القرارات.

فهناك كم كبير من الإيجابيات المستهدفة نتيجة تطبيق القرار. ومن أبرزها، التخفيف من أعباء الرواتب على الموازنة العامة، وترشيق الجهاز الحكومي «المترهل»، وإيجاد فرص عمل للشباب المتعطلين عن العمل.

ولو استعرضنا حقيقة تلك الأهداف وإمكانية تحقيقها، لتوقفنا عند نتائج متفاوتة. فعلى سبيل المثال سيكون عامل الوفر المالي في أدنى مستوياته، والسبب في ذلك أن الخطوة سترفع فاتورة الرواتب التقاعدية وستزيد من الأعباء على الموازنة المرهقة أصلاً.

أما بالنسبة لترشيق الجهاز الحكومي، فهذا يعني أن الشواغر التي سيتم فتحها بعد التقاعد ستكون أقل من عدد المتقاعدين. وفي ذلك ستكون الحكومة مجبرة على تبني واحد من خيارين. إما ترشيق الجهاز الحكومي بتقليص عدد الشواغر الجديدة التي يمكن فتحها في ضوء الإحالات.. أو التركيز على حل ملموس لمشكلة البطالة، من خلال التوسع في استحداث الشواغر.

وفي كلتا الحالتين هناك إشكالية يجمع المختصون على أن تأثيراتها ستمتد إلى ما يمكن أن يفرغ القرار من مضمونه. فالجهاز الحكومي بحاجة إلى كفاءات بمثل تلك الخبرة.. وقطاع الشباب ، رغم تميزه ـ لم يحصل على التدريب الكافي، ذلك أن آلية العمل الإداري في الحكومة ليست مبنية على أسلوب النقل السلس للخبرة من الصف الأول إلى الثاني والثالث وغيره من فئات الموظفين. وبالتالي هناك قناعة بأن الإدارة الحكومية ستعاني من هزة تضاف إلى إشكالية متجذرة أصلاً، نتيجة ذلك القرار.

هنا تبرز قضية في غاية الأهمية، حيث يؤكد مختصون أن القرار ليس جديدا، وأنه متخذ منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. وأن التعاطي معه كان مزاجيا طيلة تلك الفترة.

ولو أن الحكومات المتعاقبة اعتمدت أسلوب نقل الخبرة، وتأهيل صفوف أخرى لكي تكون بدائل جاهزة للصف الأول، لكان التطبيق سهلا. ولأبدعت الحكومة في تسويق الكفاءات الوطنية المتميزة والمطلوبة في العديد من الدول بمن فيها المتقدمة.

من هنا، فإن بعض القراءات المتخصصة ترى أن الحكومة لم تعد العدة ولم تضع الترتيبات اللازمة لتطبيق القرار بيسر وسهولة.. والنتائج المنتظرة من تطبيق هذا القرار بتلك الطريقة ستكون محدودة..

Ahmad.h.alhusban@gmail.com