أبواب - وليد سليمان

المتجول في وسط البلد لا بدَّ أن تأخذه خطاه للسير في أفخم وأعرق الشوارع القديمة فيها, ومنها شارع الملك فيصل الأول، حيث الأماكن العريقة مثل سوق الذهب والبنك العربي وكشك الكتب لحسن أبي علي ومقهى كوكب الشرق وسوق منكو الشهير بالملابس والاقمشة النسائية, وبعض الفنادق القديمة, ومنها فندق بالاس الذي يقع ضمن مباني سوق منكو الذي بناه الاقتصادي ورجل الاعمال ابراهيم منكو في العام 1947.

«أوتيل بالاس» يشغل عمارة عالية وضخمة في اول مدخل سوق منكو فيبدو لأعين السائرين في شارع الملك فيصل بكل شموخ ووضوح.

وكان لهذا الفندق او الأوتيل- المغلق حالياً منذ نحو عشر سنين- حكاية قديمة بدأت مع «آل صوالحة» منذ نحو مئة عام في يافا والقدس وبيت لحم ثم في عمان.

فنادق عمان في بداية القرن الماضي

كانت عمان بعد الحرب العالمية الاولى 1914 بدون فنادق وكانت «المضافات» تؤدي واجب الضيافة بدلاً منها.

وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تم إنشاء أماكن لاستراحة المسافرين يطلق على الواحد منها اسم الحانة (حسب الاسم التركي) أو الأوتيل (حسب اللغة الانجليزية المخففة) أواللوكندة (بالفرنسية) أو(النُزل) أي منزل المسافرين (بالعربية)، ومع مرور السنين تم اعتماد اسم الفندق.

ومن أهم الفنادق التي عُرفت في الفترة الأولى لنشوء عمان الحديثة مع بداية القرن الماضي كان فندق «الكمال» في سوق السكر, وفندق «الشرق» وفندق «السعادة» مكان سوق البخارية وفندق «المنظر الجميل» بالقرب منه.

لوكندة فلسطين وشيوخ الجنوب

أما «لوكندة فلسطين» فقد أنشاها في أوائل الثلاثينيات في شارع الرضا بعمان فوق محلات النادي للصرافة، عودة وحنا ونديم الصوالحة–وعائلة الصوالحة وأصلها من مادبا مشهورة بعالم الصناعة الفندقية قبل العام 1948 في فلسطين.

قبل ذلك بسنوات طويلة هاجر البعض من آل صوالحة من مدينة مادبا عام (1920) إلى فلسطين, وعملوا بقطاع الفنادق, وكانوا يمتلكون فندقا خاصا في يافا مؤلفاً من «خمس» غرف ضم من بين نزلائه الأقارب والأصدقاء.

وعند قدوم بعضهم الى عمان في أواخر العشرينيات من القرن العشرين أسسوا لوكندة فلسطين التي تألفت من عشر غرف, بالإضافة إلى ثلاثين سريراً كان يوضع بعضها على سطح الفندق المكشوف في فصل الصيف.

وكانت المنامة بقرشين مع كأس الشاي الصباحي، و في كل غرفة واجهة زجاج تسمح بدخول الضوء وأشعة الشمس.

ولوكندة فلسطين لها شرفة واسعة - ما زالت موجودة حتى الآن - تُطل على شارع الرضا, وكانت هذه اللوكندة تُلقب بِ «سفارة الكرك» لكثرة ما كان يقيم فيها ويزورها شيوخ الجنوب والكرك عندما يأتون الى عمان لقضاء مشاغلهم من أمثال: دليوان المجالي ورفيفان المجالي, حتى أن وزير الداخلية فلاح المدادحة في فترة الخمسينيات من القرن الماضي كان ينام في هذه اللوكندة, لأنه كان من سكان الكرك, ثم استأجر بيتاً في عمان بعد ذلك للإقامة الدائمة.

ويذكر بعض المؤرخين والإعلاميين الأردنيين من أمثال «د. رؤوف أبو جابر وفؤاد البخاري وريحان الروابدة في كتبهم وأبحاثهم» عن آل صوالحة أن عودة الصوالحة أثناء إدارته للوكندة فلسطين كان يرتدي لباسا عربيا؛ «حطة وعقال وعباءة»، فكان بذلك يبث شعورا بالارتياح لدى رواده ومعظمهم من بدو شرق الأردن.

وكان ذلك مع بدايات تشكيل إمارة الأردن، فكثرة مصالح شيوخ ووجهاء جنوب الأردن في العاصمة عمان حتّمت أن تستمر إقامتهم لأيام.

وكان في لوكندة فلسطين قاصة أو خزنة حديدية مخصصة لوضع أسلحة النزلاء، ولم يكن شيوخ العشائر يتوانون في أن يعهدوا بسلاحهم إلى إدارة الفندق من دون جدل أو خجل احتراما لبعضهم البعض, وخاصة في ظل الظروف الفندقية الآمنة والمريحة التي كانت توفرها اللوكندة آنذاك.

وكان فندق فلسطين يجلب الطعام لزواره ونزلائه من مطعم السرور أو السلام القريبين في شارع فيصل، وكانت معظم المأكولات من المشاوي اللذيذة.

وكان من عادة شيوخ العشائر اقامة ولائم الطعام لنزلاء الفندق بمجرد أن يمضوا ليلتهم الأولى.

وفي تلك الفترة، لم تكن النساء يدخلن الفندق، وإن دخلنه فلم يكن يُسمح لهن بالخروج منه إلا باتجاه مدنهن وبلداتهن.

سعيد صوالحة وعالم الفندقة

وهناك عشرات من آل صوالحة المشهورين بخبراتهم وتاريخهم القديم والحديث بعالم الفنادق والسياحة في الأردن وفلسطين.. ومن أشهرهم هو سعيد حنا الصوالحة.

سعيد صوالحة رئيس مجلس ادارة فندق الريجنسي حاليا وفندق جراند بالاس في عمان لم يكن نزيلا في احد الفنادق بل وُلد وترعرع مع أسرته في غرفه على سطح فندق (بالاس) في عمارة منكو بشارع الملك فيصل بعمان!.

وهنا في عمان كانت بداية قصة نجاح سعيد من آل الصوالحة منذ طفولته في الأحضانٍ الفندقية!! حيث أمضى هذا الفتى فترة صباه في الطابق الأخيرمن فندق (بالاس) المطل على سوق الصاغة وسوق منكو، وهذا الموقع المرتفع للفندق منحه فرصة رؤية مقهى كوكب الشرق والبنك العربي ومراقبة آخر إعلانات أفلام دور السينما بعمان عبر اللافتات الضخمة التي كانت منصوبة فوق المحلات التجارية بشارع فيصل.

تجربة سعيد صوالحة العصامية تعطي درسا مفاده أن النجاح هدف سام لا يقف في طريقه أية عقبات، اذا ما توفرت الإرادة الصلبة التي تتخطى وتتجاوز كل الصعوبات.

البدايات كانت من الكبار الذين أسسوا لقواعد صغيرة ولكنها متينة، والجيل الذي تلاهم انطلق لتوسيع حبه وخدمته لوطنه الاردن في عالم السياحة والفندقة.

سعيد صوالحة درس في مدارس عمان, وبعد ان أصبح شابا درس ثلاث سنوات في مدرسة الفرير في القدس, وأنهى الثانوية من كلية تراسانطة في بيت لحم, وانطلق بعدها الى سويسرا ليدرس ادارة الفنادق العالمية.

أوتل بالاس في عمان 1950

وفي عام (1948) فقد حنا والد سعيد فندقه في يافا نتيجة الحرب فعاد الى الأردن وانطلق من جديد فأنشأ هو وأخاه فندق بالاس بشارع الملك فيصل عام 1949 ليكون فندقا من (الدرجة الأولى) يحتوي (مصعدا كهربائيا) و(تدفئة مركزية) حيث كانت تلك تُعتبر من مبتكرات ذلك العصرالحديث آنذاك, فجعلته فندقا مميزاً.

وكان هذا الفندق - بالاس - مسقط رأس وبيت ومدرسة للابن سعيد صوالحة.

وكان سعيد صوالحة قد وُلد في عمان شهر كانون الاول عام 1949, و ترعرع في فندق بالاس- بشارع الملك فيصل وسط البلد! ودرس في مدرسة الفرير بجبل عمان حتى عمر 9 سنوات ثم انتقل مع والده وأخويه سامي وسمير, الى بيت لحم حيث أسس والده, الاقتصادي الكبير حنا خليل سليمان موسى الصوالحة العزيزات, فندق بالاس في بيت لحم مقابل كنيسة المهد, وهناك التحق أيضاً بمدرسة الفريرفي بيت لحم.

أمَّا سعيد صوالحة الذي عاش مع أسرته في الطابق الأعلى من أوتيل بالاس في عمان فقد روى في مذكراته غير المنشورة بعنوان «بين زمنين»، أنه عادة ما كان يرى خمسة وزراء, وما لا يقل عن 10 مبعدين من الدول العربية في المرة الواحدة من بين نزلاء أوتيل بالاس.

وكان من نزلائه مثلاً: صالح المجالي, ورفيفان المجالي, والشيخ عبد الحميد السائح, والشيخ الجعبري, وبعض القوميين السوريين والمبعوثين, ومدراء بعض البنوك من لبنان.

وهذا التنوع بالنزلاء العرب في الفندق قاد سعيد إلى التفكير بقوميه عربية ينتمي فيها للفكرة وليس للحزب.

وتعدد الجنسيات والأطياف التي عاش معها سعيد أطلقت آفاقه وأفكاره ووسعت نطاقات علاقاته العربية والأجنبية.

من نزلاء الفندق

وأيضاً كان من النزلاء في أوتيل بالاس في عمان شخصات مميزة عربية وأجنبية منها:

مهاجر روسي كان معارضا للثورة الروسية, إذ كان يدخن سيجار القطتين السوداء والبيضاء.

وحمدي باشا الصادق وهو من الفلول الملكية التي غادرت مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952, بالإضافة إلى قوميين سوريين كانوا محكومين بالإعدام في بلادهم.

وصالون أوتيل بالاس لم يكن يخلو من السيدات في حقبة الخمسينيات، فكانت هناك سيدة إيرانية الأصل اسمها أم توفيق، وكانت مثقفة إلى أبعد الحدود.

وكذلك سيدة عراقية «بدينة» أخت رجال.. تدعى مدام مدفعي.

وسيدة لبنانية تدعى ألفيرا, أطاحت بعقول نزلاء الصالون!! مما جعلهم يتزاحمون للجلوس في الصالون للتمتع بالنظر إليها.

أما عن سهرات الأوتيل، فقد كان من أشهرها سهرة الخميس، والتي كانت تبدأ بالاستمتاع بأحد الأفلام المصرية من خلال الراديو!!.

فقد كان في إذاعة عمان مذيع اسمه (محمود الشاهد) يقدم للفيلم ويصف أحداثه وينهيه في حوالي الحادية عشرة ليلا، موعد بدء سهرة أخرى من برنامج أضواء المدينة الذي كانت تقدمه إذاعة القاهرة، وفي إطاره كانت أم كلثوم تقدم حفلاتها في الأسبوع الأول من كل شهر.

وقد نزل بالفندق فنانون عرب من أمثال: فريد الأطرش ومريم فخر الدين وصباح وتحية كاريوكا ومحمد طه، ووديع الصافي، وحتى نيللي التي لم يكن عمرها وقتئذٍ قد تجاوز تسعة أعوام, فقد حضرت نيللي وشقيقاتها لمشاهدة أول عرض لفيلم (عصافير الجنة) في عمّان سنة 1955 الذي عرض في دار سينما الأردن، كلما كن يرجعن من صالة السينما كان المئات يتزاحمون وراءهن في شارع البريد وفيصل.

وهناك فرقة أميركية نزلت في أوتيل بالاس, حيث قدمت عرضا للتزلج على الجليد في المدرج الروماني في أوائل الستينيات.

ومن المشاهد المؤثرة قديماً التي ما زال يذكرها سعيد رؤيته للملك طلال في شارع فيصل حيث كان يركب حصانا أبيض اللون وهو يقف عند البنك العربي.

ومن خلال وقوف سعيد على سطح أوتيل بالاس في العام 1956لاحظ وبفرح غامر الحشود الجماهيرية وهي تقف في شارع فيصل وعلى أسطح وشرفات البيوت والمحلات التجارية بمناسبة تعريب الجيش العربي الاردني حيث حضر للاحتفال بهذه المناسبة الوطنية العزيزة جلالة المغفور له - بإذن الله - الملك الحسين مستعرضا حرس الشرف الواقف قبالة محلات المعشر للأجواخ وعمارة آل ماضي.

وتحدث جلالته يومها موجهاً رسالته الى الشعب بما معناه «إن الضباط الإنجليز قد رحلوا عن بلادنا بلا رجعة».. فما كان من المواطنين الاردنيين إلا ان حملوا سيارة الملك المغفور له الحسين بن طلال تعبيرا عن فرحتهم وافتخارهم بهذا الحدث الوطني السعيد.

هذا وقد باع آل صوالحة الفندق لأناس آخرين... الى أن توقف عن العمل منذ سنوات سابقة.

مواقف وطنية في الحياة

في العام 1968 زار سعيد فندق شيراتون في فلسطين وكان أول أردني ينزل به، وتعرّف هناك على المدير العام – وهو أميركي الجنسية–وكانت أول تجربة له بالنزول في فندق من خمسة نجوم.

وأثناء ذلك قام سعيد بجمع كل المطبوعات التي وُجِدت في غرفته، وكان في إحدى المطبوعات صورة لكوفي شوب عليها خارطة لفلسطين مكتوب عليها «إسرائيل».

عندها أتصل بالمدير العام وقدم اعتراضاً رسمياً لمجموعة الشيراتون في بروكسيل!! برسالة مفادُها: » كيف ستفتحون فندقاً بالكويت والقاهرة وأنتم تنشرون خرائط غير شرعية لدولة احتلت أراضي عربية؟!» فردَّت شركة الشيراتون بإعتذار رسمي.

وبعد ليلته بفندق الشيراتون, قرر نقل هذه التجربة الى فندق بالاس/ القدس ومعه رؤية جديدة لفندق بالاس؛ وهي ان يصبح على هيئة «الشيراتون العالمي».

فاعترض على هذه الفكرة والده وأخاه قائلين له: «إللي برفع راسه لفوق كثير بتنكسر رقبته»!! فلم يكترث سعيد كثيراً وقتها بذلك بل قرر الاستمرار بمخططاته وتطلعاته.

الطريف أيضاً, انه بعد عشر سنوات بالضبط, توجه سعيد الى المطار لإستقبال رئيس مجموعة الشيراتون لتوقيع عقد لإدارة فندق الريجنسي في عمان لمدة سنتين! وكان من المدهش أن مدير الشيراتون الذي استقبله بالمطار هو نفسه الذي ارسل له رسالة إعتذار رسمي باسم فندق الشيراتون العالمي على تسمية أرض فلسطين بِ «اسرائيل».