أنا حطّاب فحسب، أعيش في كوخ ولدتُ فيه، حيث قد توافيني المنية فيه أيضاً، و كوخي قائم على تخوم هذه الغابة المترامية الأطراف حتى البحر.

أنا وأخي كنا صغيرين، نعمل بقطع اشجار الغابة بما اوتينا من قوة.. لكن أخي مات، فصار جل مسعاي اليوم، وما اواصله في كل آنٍ أمراً آخر.

وفي الغابة ذئاب غير ان الذئاب لا تخيفني، ولم تخذلني الفأس يوما، ولم اجر جردا لسنين عمري، وجلّ ما اعرفه انها كثيرة.

اما عيناي فلم تعودا تبصران شيئا مما احياه. أما في البلدة حيث لا امضي إليها لأنني قد اضل الطريق اليها، يحسبني الناس بخيلا!!. لكن اي مال يجنيه الحطاب من هذه الغابة!؟.

اعتدت ان احكم اغلاق الباب بحجر مخافة ان ينفذ الثلج الى المنزل، وذات عصر، سمعت وقع خطى متثاقلة، تبعها طرق على بابي، فتحت الباب، فاذا وراءه رجل غريب! فأدخلته كان عجوزا طويل القامة، وقد جعل يغطي هامته بدثار بالٍ، وكانت ندبة تشطب وجهه شطبا، وتراءى لي ان كِبر سنه يهبه قدرا عظيما من المهابة.

وعلى الرغم من ذلك لاحظت انه كان يضطر الى التوكؤ على عصاه في مشيه.. ولئن كنا تبادلنا اطراف الحديث، فاني لم اعد أذكر منه شيئا، وإنما أذكر انه ختم حديثه قائلا:

«ليس لي منزل أبيت فيه لكنني انزل حيث تيسّر لي، ثم اني جلتُ في كل اصقاع المملكة الانجلوسكسونية».

وكانت تلك الكلمات خير ما ينطق عن كبره، ولئن كان والدي، فيما مضى، لا يكف عن ذكر المملكة الانجلوسكسونية بالاسم، فان الناس اليوم يبدلون تلك التسمية بانجلترا.

ولما كان لديّ خبزٌ وسمك فقد رحنا نتناول العشاء في صمت، فيما كانت الامطار تهطل خارجا، واذ غلب النعاس جفونه، مددتُ له فراشا من جلود بعض الماشية، وجعلته ارضاً في الموضع الذي كان اخي قد لفظ انفاسه الاخيرة فيه بالضبط، ولم تحل حلكة الليل حتى رأيتنا مستغرقين في نومنا.

وبعد ان طلع النهار وكفت الامطار عن الهطل، وغطّت الارض قشبة من ندائف الثلج الهامية لتوها، خرجنا سويا من المنزل.

ونحن على هذه الحال، أفلت الرجل عصاه من يده، وأمرني بأن ألتقطها له.

فقلت: «ما هي دالتك عليَّ لأطيعك».

فأجابني: «لأنني الامبراطور».

ظننت اول الامر ان به مساً، فالتقطت عصاه واعطيته اياها.

وراح، لتوه، يتكلم بنبرة فريدة:

«إني امبراطور السكجين، ولطالما احرزت بهم النصر في معارك ضارية، غير اني اضعتُ امبراطوريتي في ما قُدّر لي من الزمن، اما اسمي فهو إيزرن، وأتحدّر من سلالة أودين».. ولئن كنتُ اهيم في دروب المنفى، فانني ما زلتُ السيد الاول لأن في حوزتي الاسطوانة!!! أترغب في رؤيتها!!!.

ثم فتح لي راحة يده العظيمة، فلم تقع عيناي على شيء، لأنها كانت فارغة تماما، وللحال أدركت ان قبضته كانت لا تزال مشدودة، وقال وهو ينظر اليّ شرزا:

«بوسعك ان تلمسها».

وبعد تردد، مددت طرف اناملي لألمس راحته.. وللتو انتابني شعور بالبرود، إذ لمحتُ وميضاً !! وانغلقت اليد بغتة، لم أتفوّه بكلمة، واردف الاخير بأناة كأنما يحدث فتىً ثم قال:

انها اسطوانة اودين، ليس لها الا وجه واحد، وانت لا تجد في الارض غيرها ذات وجه، وما دامت في يدي اظل أنا الامبراطور.

- «أتراها من ذهب؟» سألتُ.

- لا ادري، إنما هي اسطوانة اودين وكفى، وليس لها الا وجه واحد.

عندئذٍ تملكني الحسد وطمعت بتلك الاسطوانة، ورحتُ أقول في سري: لو صارت لي لأكنني بيعها، ولاستبدلت بها سبيكة من ذهب، فأغدوا سيدا عظيماً.. فقلت لهذا المتشرد الذي ما زلت اكرهه الى يومنا:

- لقد سوّيت لي مخبأ في كومي، وجعلت فيه خزنة مُلئت بالقطع النفيسة، وهي من ذهب كلها، وتتلألأ كما فأسي، وان اعطيتني اسطوانة اودين، وهبتُك خزنتي.

فردّ عليّ بنبرة ملؤها العناد، قال:

هيهات.

فقلتُ له:

إذن ما عليك سوى ان تمضي في سبيلك.

وما إن استدار حتى عاجلته بضربة فأس على رقبته، كانت اكثر من كافية لجعله يترنّح ويهوي، غير انه لدى سقوطه جعل يبسط راحته، فعاينتُ الوميض متلألئاً في الهواء... ولما كنت اخشى تضييع الوميض غيبته بحدّ الفأس!! وجعلت أجرجر الميت حتى النهر الذي كان لا يزال في إبان فيضانه والقيتهُ فيه.

وحال عودتي، مضيتُ أبحثُ عن الاسطوانة فلم أجدها!!! وها قد مضت سنوات وأنا لا أزال في بحث دؤوب عنها!!!.

هذه القصة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس, الذي يُعتبر من أبرز كتاب القصة في القرن العشرين.