أبواب -غدير سالم

تقترض عائلات أردنية آلاف الدنانير لتقضية عطلة الصيف خارج البلاد، بحثا عن الراحة والاستجمام في لندن، أو باريس، أو اسطنبول غير أن هذه العائلات تكابد بعد عودتها طيلة العام لسداد هذه الديون وتعاني من عدم قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي إن: «السفر شيء جميل ونوع من أنواع كسر الروتين للترفيه عن النفس لا سيما بعد عام متعب من العمل والدراسة ومشقة الحياة التي يتحملها كل من الأب والأم والأبناء».

ويضيف:«السفر مطلب جماعي لا سيما إن كان خارج البلاد للإطلاع على ثقافات جديدة وللترفيه عن النفس ولكسر الروتين الذي يقع فيه الناس نتيجة عدم التغيير فهو نوع من التجديد و كسر للرتابة في الحياة اليومية ».

ويرى التميمي أن :«هناك ممارسات خاطئة متبعة عند السفر، فقد أصبح السفر نوعا من الغيرة الاجتماعية، فكثير من العائلات ليس لديها القدرة المالية للسفر كل عام إلا أنه أسوة بفلان أو فلانة فلا بد من السفر مثلهم، وهنا اختلف الهدف من السفر وأصبح رغبة في التقليد أكثر من كونه رغبة في الترفيه عن النفس».

ويبين التميمي :«ظاهرة الترفيه عن النفس أصبحت ظاهرة، ولكن بالاقتراض الذي يشوه السعادة لأن القروض سيترتب عليها فوائد إذا كانت بنكية فتكلفة السفر أصبحت مضاعفة».

ويضيف: «من الناحية النفسية، فالشخص المدين يحتاج لبذل مجهود أكبر لسداد الدين على حساب التزامات الحياة الأساسية، فعندما يسافر الشخص أسبوعا أو شهرا فلا بد أن يعود لممارسة حياته اليومية ومتطلباتها التي تزداد صعوبة، أما من الناحية الاجتماعية فيؤثر على تركيبة المجتمع لأننا نتبع مبدأ التقليد أكثر من حب الترفيه عن النفس وهذا شيء خطير حقيقة ونلاحظه في أشياء كثيرة».

ويشير التميمي إلى أن :«هناك قاعدة بسيطة أتوافق معها تقول «اللي معوش ما يلزموش» وغير ذلك أستطيع الترفيه عن نفسي بطرق أخرى لأن الترفيه عن النفس لا يعني فقط السفر إلى خارج البلاد، فالإنسان يستطيع بما توفر له أن يسعد نفسه، فالسعادة تُخلق في مكان مريح بوجود أشخاص ترتاح لهم وهنا تتوفر السعادة، ولا تكون السعادة على حساب متطلبات الحياة اليومية الأساسية».

ويلفت إلى أن: «لو تم اتباع فكرة الاستغناء عن مبلغ بسيط كل يوم من كل فرد من أفراد العائلة يتم توفيره على مدار أشهر السنة يمكن أن تحل المشكلة، حتى لا يدفع الشخص ثمن ترفيهه بوقوعه بضائقة مالية وديون وقروض».

ويعزو الطب النفسي إدمان شرائح واسعة من أفراد المجتمع وخاصة الشباب طلب الحصول على قروض «ترفيهية» بغرض الوجاهة، إلى الرغبة في إشباع عقد نفسية ومعالجة خلل نفسي دفين بالشعور بنقص في المظهر أو المستوى الاجتماعي.

ويحذر اختصاصيو الطب النفسي من العواقب الوخيمة على المجتمع جراء تفشي ظاهرة الإدمان على قروض الترفيه التي تدفع إلى السقوط في متاهة الديون، وما ينتج عنها من اضطرابات نفسية تزيد ضغوط البحث عن حلول لها بالإنتقال من بنك لآخر ومن قرض لقرض، إلى أن تقع الكارثة بتعثر السداد ومن ثم يتحول السلوك إلى عنف وسرقة وربما انتحار عندما يتعرض هذا الشخص للسجن بحكم القانون.

ويقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبه إن: «من أهم العوامل التي تساعد على تماسك الأسرة هو ذلك الجو النفسي والعاطفي الذي يشيع بين أفرادها، حيث إن توافر الصلات العاطفية التي تربط بين الأطراف في الحياة الأسرية يعتبر من أهم الدعائم التي تقوم عليها الحياة الأسرية، حيث تحقيق السكن والطمأنينة والأمن والمودة والرحمة بين الآباء والأبناء».

ويضيف :«قد يشوب العلاقات الأسرية نوع من التوتر والانفعال لأمور عديدة، وقد تنشأ النزاعات بين الزوجين نتيجة ضعف الموارد المالية التي تلقي بظلالها على العلاقات الاجتماعية بالجيران والأقارب».

ويلفت إلى أن: «وسائل الترفيه تعتبر من أهم العوامل المساعدة لزيادة حدة العلاقات بين أفراد الأسرة وقد تنشأ المشكلات النفسية عندما يعاني رب الأسرة من ثقل المطالب المتزايدة للأبناء نتيجة لكثرة عددهم بما لا يتفق مع قدرته المادية».

ويرى أن :«مسألة مطالبة الأبناء برحلة عائلية خارج المدينة أو البلدة أثناء العطلات طويلة الأمد كالعطلة الصيفية تصبح مشكلة أسرية لها انعكاساتها على الأجواء النفسية والاجتماعية والتربوية للأسرة وخاصة عند عجز رب الأسرة مالياً عن تلبة هذا الطلب، إذا كانت الرحلات المتاحة تتطلب السفر بالطائرة واللجوء لفنادق باهظة التكاليف».

ويشير إلى أن :«بعيداً عن الحلول القمعية التي تنطوي على اسكات المطالبة بالسفر والترحال بالزجر والتأنيب والتوبيخ فإن المكاشفة والصراحة مطلوبة لإقناع الأبناء بعدم توفر الإمكانيات المالية للقيام بما يطالبون به، أما اذا كانت الإمكانيات تسمح بحدود معينة فإنه يمكن للأب والأم أن يخططا لرحلة قصيرة بما يتناسب مع الأمكانيات المتاحة».

ويشدد الغرايبة على أنه: «يجب أن لا ننسى أن نفكر برحلة داخل الأردن فأماكنها السياحية عديدة وأن لا نضع باعتقادنا بأن بلادنا لا تصلح للسياحة ولا تلبي طموحاتنا في هذا المجال، عدا عن أهمية الذهاب إلى الأرياف حيث مسقط الرأس أو الأهل والأقارب بما يتميز به ريفنا الأردني من طيب التعامل وبساطة العيش والهواء النقي وصفاء الجو، بعيداً عن الازدحام والضوضاء وتعقيدات حياة المدينة».

وتقول الإستشارية التربوية والأسرية رولا خلف :«هناك قواعد أساسية في إعداد ميزانية البيت يغفل عنها كثير من الناس منها قاعدة المدة الزمنية وتكون شهرية أو سنوية فيجب أن يكون هناك تقدير وتخطيط لحجم المصاريف التي ستدفع بقدر استطاعة الشخص».

وتضيف: «يجب أن يكون الشخص واقعياً ويقتنع بالدخل الشهري له ويقوم بالتنسيق ما بين المهم والأهم في حياته حتى لا يتحمل في نهاية المطاف مبالغ تسبب له عجز في السداد، كما يفعل أكثر الناس وهذا شائع الآن حيث يكون الشخص على استعداد للسفر وأخذ القروض حتى يستمتع لفترة معينة وفي النهاية عند السداد تبدأ المشاكل النفسية والاجتماعية في أسرته».

وتشير خلف إلى أنه :«أحياناً يسهل علينا أن نقترض المال اللازم ويصعب علينا سداده في موعده لذلك يجب أن يكون هناك نمط واضح في الأسرة فلا مانع من أن نسافر ونقوم بالترفيه عن أنفسنا ولكن ضمن خطة معينة، عدا عن مشاركة أفراد الأسرة في إعداد ميزانية البيت التقديرية، وأن يصوب كل فرد تقديرات الآخر والمناقشة العامة ضرورية لأنها تعطي حافزا معنوياً لكل أفراد البيت حتى يساهموا في إنجاح الخطة».

ويعتبر علماء الاجتماع أن قروض السفر أحد المظاهر الجديدة التي يجب علاجها عبر التوعية الإجتماعية والدينية، مؤكدين أن اللجوء للاقتراض لمواجهة تكاليف السفر عادة اجتماعية خاطئة سببها الرغبة في التباهي.

في المقابل يحذر عدد من علماء الدين من قروض السفر باعتبارها غير ضرورية ولا تمثل حاجة أساسية عند كثير من الأسر، لافتين إلى أن المسلم العاقل لا يلجأ للدين إلا عند الضرورة.